شعراء الضباب

دريد يازجي قرأها 10
 

شعراء الضباب

دريد يازجي

ظاهرة الغموض والإبهام واحدة من أعقد الظواهر في الشعر الحديث والتي تواجه القارىء أثناء قراءته لقصيدة أو خاطرة شعرية أو أي نوع آخر من أنواع الأدب المتعارف عليه. فالأدب كلمة يراد بها التهذيب والصقل والتمدّن, ومن فضائل الأدب أن يقوّم اللسان ويهدي الى أساليب التعبير عن حوائج النفس ومعاني الأفكار.. وبناء على ذلك فالأدب هو إيصال ما أكتبه الى الآخرين بأسلوب جمالي ينفذ الى القلب والوجدان دون تعقيدات. وان ما يدفع القارىء للقراءة دون شك هو الهواية وشغف المعرفة, فليس من الإنصاف وضع العراقيل في طريقه لابتزاز حاجته للقراءة..

لذلك نسأل:

ما الذي يجعل الشاعر شاعراً في ظل افتقاره الى أساليب إبداعية تعينه على إيصال المتعة والفكرة للقارىء؟؟

ولقد أجاب الشاعر الكبير نزار قباني على هذا السؤال بقوله:

"شعراء هذا اليوم جنس ثالث, فالقول فوضى والكلام ضباب".

وأطلق الشاعر الكبير صلاح عبد الصبور على مثل هؤلاء اسم "شعراء الألغاز".. ويأتيك اليوم ممن يسمُّون طلاسمَهم شعراً ظناً منهم أنهم لبسوا عباءة نزار القباني وشغلو كرسيه بعد رحيله, أو أنهم لبسوا معطف نزيه أبو عفش اذا هو أخذ استراحة قصيرة.. وللأسف فان ما نقرأه اليوم من شعر هابط ورصف كلمات غامضة غارقة في الظلمة توظف بشكل غريب سريالي ورمزي وغرائبي دون الالمام بأبسط قواعد التحديث الشعري, فللغموض حدود فنية ان تجاوزها الشاعر تحولت معه تلك الكتابات الى طلاسم ضبابية ان حاولت قراءتها فستجعلك اما أن تتهم نفسك بالغباء أو أن تقوم بضرب رأسك بالحائط لأنه عاجز عن فهم كلمات مكتوبة باللغة المسمارية..

ولكن من خلال طرح ظاهرة الغموض كعقبة في وجه الأدب لا نطلب من الشاعر أن يلجأ الى الشرح والتفصيل والتكرار بشكل يؤدي الى اهتراء الأدب وافتقاره للاثارة والمتعة والشاعرية ما جعلنا نعيش غربة أدبية قاتلة أعطتنا فهما خاطئا عن الحداثة بسبب ظاهرة الغموض هذه.. فالحداثة حالة تجدّد وتحوّل تعطي الأدب رفعة ورقياً وإبداعات معرفية.. وللأمانة وجب علينا ألا نتجاهل النماذج الجيّدة على قلّتها والتي كتبت في هذا المنحى بشكل واكب الحداثة مستوفياً شروطها وأركانها فأفرز أدباً جميلاً راقياً تقبّله جميع العاملين في حقول الأدب وتذوقه كل قارىء مبدياً إعجابه بهذه المعادلة الجميلة وهذه الكوكبة النخبة من أمثال شاعرنا الدكتور اياد قحوش والشاعر الأستاذ ندره يازجي والشاعرة ايريس نهري والشاعر مفيدنبزو وكثر قد تطول معهم القائمة, هذه الكوكبة من الشعراء أعادت الأمل الينا ومنحتنا جواز سفر الى عالم الأدب الأرحب, وأوصدت الأبواب بوجه شرذمة من الأدعياء والمتطفلين على الأدب.. فالأمة الراقية تقاس بأدبها وكتابها وشعرائها ولطالما كان الأدب شعوراً بجوهر الحياة وبحثاً عن لغز الانسان والكون.

doured123@gmail.com