الكنز ... والجوزة العتيقة
الكنز ... والجوزة العتيقة
د. شفيق يازجي
الإهداء:
الى كل مغترب يحن الى رائحة طبخ أمه وقهوتها
هناك وقرب الجوزة العتيقة حُفر اسم (القديس سابا) على جدار كنيسة... وعلى الرغم من أن عادل لم يكن يدري لماذا طوب هذا الرجل ولا لماذا رقي الى هذه المرتبة العظيمة... ولكنه يذكر أن جدته أخبرته قصة مهمة ختمتها بأن... مارسابا قديس عظيم...
منذ ذلك الوقت سكن هذا الرجل قلبه وأصبح جزءاً منه يتميزه... أيام الآحاد وهو يسكن لوحة كبيرة تليق بصاحب المقام... وتتدلى أمام وجهه لحية صفراء طويلة تعلوها عينان ذابلتان حياديتان تنمّان عن زهد في الحياة... ووجنتان مجعّدتان كأنهما لم تعرفا الابتسام أبداً...
تقرب عادل الى هذا القديس القدير... وحمل له القرابين... وأشعل أمامه الشموع... أما هو... ودون اكتراث... كان يراقب كل شيء:
من جدران الكنيسة الرمادية وأعشاش الطيور
الى النباتات الفطرية التي تنمو ما بين أروقة الحجارة
الى جدائل الصبايا وابتساماتهم المسورة بالخجل...
ويسمع كل شيء:
من قرع الجرس بإيقاعه التربيعي الرّخيم
الى تراتيل الكاهن ذي الصوت الرجولي الجميل واللحية الكثيفة المجعدة والسمرة الجذابة والقامة الممشوقة...
وهو يرنّم :
في معمودية قادم للحياة
أو في عرس متفائل بها
أو في جنازة مفارق لها.
والى صوت سلاسل المبخرة وهي تتمرجح في يد خدام الهيكل ليفوح منها عطر البخور...
سابا اذاً قديس عظيم كما قالت جدّة عادل يعرف كل شيء حتى خفايا القلوب:
يعرف شهوة أجسادنا للزنى
وشهوة جيوبنا لبعض النقود
وشهوة لساننا للتجديف أحياناً ولو على أنفسنا...
يعرف كل شيء:
عن أفئدتنا الخاشعة
ومعداتنا الفارغة
ونفوسنا التقية ورؤوسنا المحنية تواضعاً...
لتتقبل القربان الالهي بعد صلوات الأحد...
وكان عادل يظن أن مار سابا قادر أيضاً على التفاهم مع بقية القديسين الساكنين في اللوحات المجاورة له... بطريقة ما كالهمس أو النظر أو الأمواج ما فوق البشرية... فيمتلئ قلبه بالقشعريرة دون أن يميز منشأها... أمن داخل أجواف القلب أم من وحشة الدرب الضيق المجاور للكنيسة المسكون بأرواح القديسين وهمساتهم... أو أرواح الأموات الفارة من التوابيت أثناء العبور الى المقبرة خوفاً من الظلمة الأبدية... ليختبؤا بحيطان الكنيسة وزواياها...
هناك وقرب تلك الكنيسة تعرف عادل على شجرة الجوز العتيقة وعبر دروبها على شجرة الدلب... والسارود... والسهلة... والدهليز...
هناك وفي تلك الزواريب وخلف المنحدرات وقرب العين وبين أشجار الزيتون والتين وفوق زهور الأقحوان والسيكلمان والنرجس البري... عرف عادل الحب الأول... وثورة القبلة الأولى... والأرق وليالي القمر... وكتابات جبران...
وألحان الرحابنة... وقصائد أم كلثوم...عرف:
الصراع بين الحلم والواقع
بين الرغبة والواجب
بين الأنا والأنت...
هناك تعرف على كآبة المطر... وعلى الأرواح المتمردة التي تطير بقوة العواصف وعلى الرعد الذي يرسله الاله حميراء... وعلى حزن السماء ليلة الصلب... وعلى الخوف كما في ليالي الهالوين عندما تخرج الأرواح من القبور وتتجول في الشوارع استعداداً للمحاكمة السنوية لرئيس الملائكة.
وفي الغربة... تعلم عادل الحنين الى ذلك الهناك...:
الى الشمس وهي تشرق من خلف ستائر قلعة الحصن
الى القمر وهو يسترق السمع من خلف غيمات قمم السائح
الى قرع الطبل وصوت مزمار الريّاس
الى المجدرة والهندباء وهبابيل التين أيام الصيام
الى رائحة طبخ أمه وقهوتها.
وتعلم أيضا كما كتب بابلو كويللو في روايته "الخيميائي"... ان كنزه يختبئ هناك حيث نشأ وتعلم قرب شجرة الجوز العتيقة بجوار الكنيسة.