مؤسس الرواية العربية المعاصرة
أتصور أن خبر رحيل الأديب الكبير نجيب محفوظ قد وصل إلى شخوص قصصه ورواياته، وأن العائلة أو القبيلة الروائية التي امتدت جذورها في أعماق التاريخ المصري ستجتمع محتفية بضيفها وشيخها، مؤسس الرواية العربية المعاصرة.
أتصور أن هؤلاء، وهم من جميع الأعمار والانتماءات الفكرية والاجتماعية والسياسية، من أحياء القاهرة القديمة والجديدة ومقاهيها، خرجوا مع أبنائهم وأحفادهم وأصدقائهم يرحبون بنجيب محفوظ، ويستقبلونه استقبالاً حاراً، وهم الذين تركوه ـ ليس بإرادتهم ـ لأنهم لم يستطيعوا أن يقفوا في وجه الموت.
اهتم مؤسس الرواية العربية المعاصرة، بالإنسان المصري، وكانت مصر منبع أفكاره وأحداث قصصه ورواياته، وركيزتها الثرية.
لقد عكست رواياته بخاصة (الثلاثية) واقع الطبقة المتوسطة المصرية. وفي الأجزاء الثلاثة (بين القصرين 1956، قصر الشوق 1957، السكرية 1957) ركز الأديب على حياة الشعب المصري بكل مكوناتها وتفرعاتها وامتداداتها السياسية والاجتماعية، وعكست أعماله الإبداعية موقف الشارع المصري المعبر عن إرادته ومطامحه وشجونه.
إن الطبقة المتوسطة في روايات محفوظ، تحتل موقعاً اجتماعياً، يشكل حجر الزاوية في بناء وهيكلية المجتمع المصري. وهي طبقة واسعة الانتشار، تضم ملايين البشر، تعكس طبيعة الاقتصاد المصري في المجالات التجارية والسياسية والزراعية والمهنية لكنها أخذت بالتآكل والانهيار، لأسباب أبرزها صعود البورجوازية الطفيلية التي تحالفت مع الشرائح العليا من البرجوازية البيروقراطية. وسارت هذه الطبقة نتيجة للمزاحمة والصراع في طريق الذوبان والتلاشي، علماً أنها تحقق التوازن الاجتماعي بين الطبقات العليا والدنيا.
إن الثلاثية كما درسها النقاد العرب والأجانب في مئات الدراسات والرسائل الجامعية والندوات المحلية والدولية، تقف في قمة أعماله الإبداعية، فهي التي نقلت الرواية العربية، وخطت بها إلى خارج الحدود العربية، وبالتالي أصبح لها خصوصيتها وهويتها، لأنها عبرت بدقة عن الحياة اليومية للمجتمع المصري، وإعادة وضعه فوق خريطة الأدب المعاصر. ومثلت عائلة أحمد عبد الجواد في الثلاثية نماذج من أجيال متعاقبة ومتصارعة في أفكارها وأحلامها وهواجسها ورؤاها وأيديولوجياتها!
وإذا كانت الثلاثية تركز على البعد الاجتماعي خلال الفترة الممتدة من عام 1919 إلى عام 1945. فرواية (الحبّ تحت المطر) ركزت على الدلالة السياسية، فهي تصور وتشخص الحياة في القاهرة بين الحربين (1967 و1973)، وتشير من جهة أخرى إلى الغليان السياسي والاجتماعي والأيديولوجي، وتحمل أيضاً إيحاءات إعجابية بانطلاقة العمل الفدائي الفلسطيني، وتشير إلى ظاهرة هجرة الشباب إلى البلدان العربية والأجنبية. وإذا عُدنا إلى رواية (السراب) نراها تنحو في اتجاه آخر، فهي تهتم اهتماماً واضحاً بالبعد النفسي، وتبرز دور الشريحة العليا المتقدمة من الطبقة المتوسطة وحياتها، ووصفت بأنها أقرب إلى السيرة الذاتية، بينما من قرأ رواية (أولاد حارتنا) يلاحظ أنها تأخذ بعدين اثنين. الأول بعد فلسفي، والثاني بعد ديني، فهي تسير في خطين متوازين، وأحياناً متداخلين. وهناك من يقارنها برواية (مزرعة الحيوان) لجورج أورويل، أو برواية (المسيح يعاد صلبه) لكازنتزاكي. .
إن عالم نجيب محفوظ الروائي، يعالج قضايا متعددة المناحي، تبدأ بالإيمان والشك، وتنتهي في التأكيد على حرية الإنسان وانعتاقه، وتخليصه من الذل والقمع والاستبداد.
وينفرد الروائي العملاق بين الروائيين العرب ببراعته في تصوير المناخ الثقافي والفكري تصويراً دقيقاً، من الناحيتين الفنية والموضوعية، على درجة كبيرة من العمق والتأثير في المتلقي.
إن الشخوص (الرواة) في روايات محفوظ، هم أبناء الظروف الذاتية والموضوعية، في بيئاتهم يمثلون الشعب المصري بأجياله المتتابعة، بدءاً من الأربعينيات والخمسينيات (ثورة تموز)، ثم مرحلة جمال عبد الناصر وطبيعة سلطته وتأسيس الاتحاد الاشتراكي، تليها مرحلة السادات وكامب ديفيد وتأييد محفوظ لسياسة هذه المرحلة ونقده للمرحلة السابقة، ومتابعة الخط الروائي نفسه إلى حين توقفه عن الكتابة.
وبعد نوبل 1988، ازدهرت حركة ترجمة الرواية العربية عموماً، والرواية المصرية، خاصة روايات محفوظ التي ترجمت إلى نحو أربعين لغة أجنبية.
وشكلت الترجمة خطوة متقدمة إلى الأمام في عملية المثاقفة بين الرواية العربية والمتلقي الأجنبي، وبين الشعوب العربية والشعوب الأوربية والأمريكية. وبهذا يتم التواصل والاتصال في حلقات الأدب المقارن، الذي ساعد على بناء جسر جديد من الإبداع والأدب ثبتت ركائزه الرواية العربية، عدا أن 28 رواية لمحفوظ ، تحولت إلى أفلام سينمائية، ثم انتقالها إلى السينما الأمريكية اللاتينية.
واحتلت واجهات المكتبات في المدن الأجنبية، وفي المعارض الدولية، وتناولتها الأقلام النقدية الأجنبية بالدراسة والنقد من وجهات نظر غربية متباينة، ربما يختلف النقاد العرب مع الكثير من التفسيرات، لأن الأجانب لا يعرفون ما يجري في أعماق وخفايا المجتمع المصري وتاريخه وعادته وتراثه وفولكلوره ونضالاته وحياته اليومية.
وجذبت روايات نجيب محفوظ القارئ العربي والأجنبي. ونظراً لأهمية (الأدب المحفوظي) تعهدت الجامعة الأمريكية في القاهرة بطباعة أعماله بالكامل، من رواية (عبث الأقدار) 1939، وروايتي (رادوبيس) 1943، و(كفاح طيبة)1944.
وانتقلت الريادة في الأدب العربي من الشعر (ديوان العرب) إلى الرواية التي أصبحت (ديوان العرب المحدثين)، وأطلق عليها الناقد المصري جابر عصفور (زمن الرواية) في كتاب له بهذا العنوان.
وقال نجيب محفوظ في مذكراته التي سجلها الناقد رجاء النقاش (إنه لم يكن يفكر في جائزة نوبل، وهو عاكف على إنجاز مشروعه الروائي الكبير، لأنه كما كان يعتقد هو والكثيرون من جيله، أنه كان يقوم بدور المؤسس لهذا الفن الروائي في الوطن العربي، والمؤسسون في العادة لا يفكرون كثيراً في حصد جوائز عالمية، المؤسسون في العادة تكون أنظارهم مركزة على الأحوال والأوضاع في بلادهم، لا يهتمون بأكثر من نقد هذه الأحوال والأوضاع).
وفي مجال المقارنة بين رواية (النكتة) لميلان كونديرا، ورواية (ميرامار) لنجيب محفوظ، تقول الناقدة سيزا القاسم: (ما لفت نظري التشابه أو قل التماثل في البنية القصصية، وتأكيد المستوى الأيديولوجي فيهما، بل تماثل تعدد الأصوات الذي رويتا به، وازداد إحساسي بالتوازي المدهش بينهما، عندما اكتشفت أن كلتيهما قد صدرت قبل بضعة شهور من وقوع أحداث جسام وغزو خارجي تعرضت له كل من مصر 1967، وتشيكوسلوفاكيا 1968. وقد أصبح التاريخان من المعالم الملتهبة التي فصلت بين (القبل) و(البعد).
لقد اختار نجيب محفوظ تعدد الأصوات في هذه الرواية. فالحدث لا القصة يروى على لسان أربعة شخوص، وكل شخصية تتحدث بصوتها.
وفي روايات أخرى، برأي بعض النقاد الأجانب كرواية (بين القصرين)، يسيطر الصوت الواحد. وتظهر الأحداث والسرد الحكائي والحوار والتفاصيل جواً من الزجر والقسوة يفرضه الأب، وهيمنته على أفراد أسرته مثل (ريموت كونترول) يحركهم كما يشاء، ويراقب دقات قلوبهم وحركات وجوههم، ويتابع، بل ويتدخل في الصغيرة والكبيرة. ويبدو أن صورة (الأم المهزومة) الذليلة، الممرغة بالقهر والظلم والطاعة، تعبر عن المجتمع الذكوري، فهي عندما تقدم الطعام لا تجلس على المائدة مع أفراد أسرتها، بل تقف بعيداً كالخادمة المأمورة، تنتظر إيماءة أو إشارة من زوجها، لتنفذ طلباته. وتختلف هذه الصورة (نموذج الأم المهزومة) في رواية (بداية ونهاية) على سبيل المثال.
إن الأديب نجيب محفوظ (1911 - 2006) لم ينفد حبره، حتى بعد مماته، فقد غاب جسده، وبقيت أعماله التي تناهز الخمسين رواية ومجموعة قصصية حية، نابضة بالحب للإنسان، متجذرة في أعماق التاريخ المصري والمجتمع المصري، معبرة عن نضالاته ضد الإنكليز، عاصر حروباً كثيراً، وثورات عدة من الـ 1919، إلى الحربين العالميتين وهزيمة الـ 1967 وحرب تشرين وقبلها السويس وسواها.
وترك ثروة لا تقدر بثمن، شكلت زوادة أدبية، إبداعية للمكتبة العربية والعالمية. وقد وصلت مبيعات أعماله المترجمة للغة الإنكليزية في عام 2005، إلى ما يزيد على مليون نسخة، بينما ترجمت رواياته وقصصه (300 قصة) إلى أربعين لغة، وصدرت في أربعمئة طبعة في أرجاء العالم.