صمت الكليم – الجزء الرابع

أحمد بخيت قرأها 5
 

صمت الكليم – الجزء الرابع (41-90)

أحمد بخيت

41

أنا الآتي انتفِضْ يا قلبُ واصعدْ يا صهيلَ الرُّوحْ

وأَجِّجْ نـارَ قـافيَتِي وأنضِجْ صوتِيَ المبحـوحْ

لقد أَسْـرَتْ بِنا لَيلَـى للَيلَـى فَابْـدأِ التسبيـحْ

42

أعـوذُ بحبِّيَ الوهّــابِ من وَعْـدٍ بلا لُـقْيـا

ومن يـومٍ بلا صحوٍ ومن شــوقٍ بلا رؤيـا

متى سأُتِمُّ معجزتــي لأُطْلِقَ طــائرَ الدنيـا

43

أعـوذُ بمَن أُعذَّبُ فيـهِ من حِسِّـي بتعذيـبِي

أعـوذُ بـواهبِ الأشـواقٍ من هِبةٍ وموهـوبِ

فمشغـولٌ أنا عنِّـي وعن حبِّـي بمحبـوبي

44

ومشغُـولٌ ببـَوحِ الدّمعِ عن بحبـوحِة البهجةْ

ومشغـولٌ بعمْقِ البحرِ عن حرِّيَّـةِ الموجَـةْ

ومشغـولٌ بصفوِ الرمزِ عن صوفيـّةِ اللهَجةْ

45

ومشغـولٌ بِصدقِ الوحْيِ عن إِيحـاءِ أشعاري

ومشغـولٌ بشمس الحبِّ عن حبِّـي لأقمـاري

ومشغـولٌ بلَحْظِ النـورِ عن خَوْفـي من النارِ

46

أتى الطوفـانُ... ليس هناكَ إِلا الخوفُ والموجُ

ولكنِّــي أَنا الجُـودِيُّ والفُلـْكُ الـذيِ ينجَـوُ

وما مِنْ عَـاصمٍ كالحب  حينَ يَضيقُ بِيْ اللُّجُّ!!

47

لكِ المجـدُ الهوى الخَلـاَّقُ سدرةُ منتهى هِمَمي

تهـونُ لأجلِهِ الدنيـا وتصبحُ مَـوْطِئَ القَـدَمِ

وأنتِ مَخَـافَتِي وَرَجـايَ فاتِحَتي ومختتَمِي!!

48

سأخبر مُوْقِـدي النّيـرانِ أَنِّي غـائبٌ ومقيـمْ

وأن النّارَ غيـرُ النـّارِ إِنْ كانَ الـفؤادُ يَهيِـمْ

ستعجَزُ نـارُ "إِبراهيـمَ" عِنْ تعذيـبِ "إِبراهيمْ"

49

وها أنا ذا أتلُّ دمي وقد هتَفَـتْ بـيَ الرؤيـا

لقد آمَنـْتُ أن الحـبَّ  يَجْعَـلُ ميِّـتاً حيَّــا

قطعتُ الطَّيْـرَ أشـلاءً فجاءت وحـدها سَعْيَا

50

وَقَفْتُ علـى حدودِ الخـوفِ ثُمَّ جعلـتُهُ كَهْفِي

إِذا استوحَشْـتُ بينَ يـدَيَّ أُبْصِرُهُ ومِنْ خَلْفي

وإِنْ أعـْددتُ مـائدةَ الحنينِ وَجَدْتُهُ ضَيْـفِي!!

51

بوادٍ غيـرِ ذي زرعٍ أُواجهُ قسـوةََ المجهـولْ

وأنت أَحَـنُّ مِِنْ أُمِّـي التي رَضعَتْ وفاءَ النيلْ

وإِرثُ هـواكِ يدعونـي ذبيحَ الحبِّ "إسماعيلْ"

52

فَتَحتُ بـرُوحِيَ العـزلاءِ مملكـةً منَ الرَّوعةْ

وها أنا للحنينِ معـي حوارُ اللّـيـلِ والشّمعةْ

رجوعُ الـرُّوحِ للقُيـا سحـابٌ يُمْطرُ الدَّمَعةْ!!

53

إِذا عـزَّ اللقـاءُ هتفتُ يا شمسَ الضُحى غِيبْي

فمنذُ غيابِ هذا الحُسْـن حُزْنِي حزنُ "يعقوبِ"

وقد نَهَبَ الأسى رُوحي فأينَ قميصُ محبوبي؟

54

أنـادِي في ليالي البُعْـدِ أيـامُ الرؤَى مـرَّتْ

كأَنَّ القلبَ لَمْ يَسْعَـدْ بها والعيـنَ مـا قَـرَّتْ

سـواءٌ بَعْـدَكِ الأيـامُ إِنْ ساءتْ وإِنْ سَرَّتْ!!

55

تـلاقى كلُّ أهلِ الوَجْـدِ  في قلبِ الفَتَىْ الواجِـدْ

وكلَُ السـاجدينَ عَلَـى جبيـنِ مُحبِّـكِ السّـاجدْ

وها أنا صـائرُ لـ"هناكَ"  حيثُ الكلُّ في الواحدْ!

56

بعيداً عن سماءِ رُؤاكِ ضِقتُ وضاقَ بِيْ الملكوتْ

ولم أَسكنْ لأنسِ الحبِّ فَاسْـتُدرجْتُ للرَهَبَـوتْ

ثلاثُ مَهَالكٍ حَولِي: الظلامُ البحرُ بطنُ الحوتْ!!

57

أنـا وَمحَبَّـتِي والبحرَ كيفَ أَخَذْتِ شُطـآني؟!

فَلَمْ أعرفْ متى ألقـاكِ يا لَيلَـى لألـقــاني

معـاذَ الحبِّ أن أنســاكِ لكنِّـي سأنسـاني

58

دعوتُكِ ظالماً نَفسِـي وقَدْ عَصَرَ الأسَى رُوحِي

وقلتُ لِدَمْعَتي الخرسـاءِ  مُوتي ثَمَّ أو بُـوحِي

فألقـاني بشطِّ رِضـاكِ يا لَيـلايَ تَسْبِيـحِي!!

59

أَمَـا أَوقْفَتِنِـي في الصَّبْرِ ثمَّ هَتَفْتِ: يا أيـّوبْ

لقد أُنْضِجتَ في الضَّرَّاءِ فاخترنَـاكَ للتـّقريبْ

فقلتُ: الصَّبرُ عَنْ لَيلَى بِلَيلَى والعطاءُ ضُروبْ!!

60

أما أَعْطَيِـتِني الأسبـابَ ثم قَطَعْـتِ أَسبابـي؟

فلا الأعـداءُ أعدائي ولا الأحبـابُ أحبـابـي

فكيف حَجَبْتِـنِي بالخَلـْقِ ثُمَّ حَجَبْتِ حُجَّـابي؟

61

سقامي فيكِ طِبُّ الرُّوحِ كم يَشْفِـي الذي يُضْنِي

لقد أُعْـفِيـتُ مِنْ دائـي إذا أبرأْتِنِـي مِنِّـي

شكرتُ السّهمَ والرّامِي فهل رَضِيَ السَّنا عنِّي؟

62

معـاذَ الحبِّ أن يشكو المحبُّ حبيـبَهُ ويلـومْ

فلمْ أسـألْ على شكٍّ ولـمْ أَخْرُجْ عن التَّسليـمْ

وليست غـايةُ التسـآلِ غيرَ الآُنْـسِ بالتَّـكْلِيمْ

63

فأنتِ وقفتِ بي في الوعْدِ ثُمَّ هتفتِ: بُورِكَ مَنْ..

فقلتُ: أيستَطِيعُ القلبُ؟ قلتِ: انْظُرْ إِليهِ ولَـنْ...

لكِ التّنزيـهُ يا مَنْ لا يجوزُ عَلَى سَنـاكِ كأنْ!!

64

وأنتِ وقفتِ بِي في الجَمْـعِ مأخوذاً عَنِ الخَلْقِ

وحينَ رَدَدْتِنِي للفَـرْقِ كدتُ أمـوتُ من فَرْقي

وكفِّـي بـاطشٌ بالعرشِ مَجـزِيٌّ عِنْ الصَّعْقِ

65

سأُلقِي آيـةَ الإِعجـازِ حتى يَسْجُـدَ السَحَـرةْ

وتَعْلُـوهُمْ يَدِي البيضـاءُ حتّى يُؤمِنَ الكَـفَرةْ

وسوفَ أشـقُّ بحرَ الحزنِ حتى يعْبرَ الَبَرَرَةْ!!

66

أحبُّـكِ إِنَّنِي اسْتَعْذَبـتُ فيـكِ عذابِـيَ المُلْهَمْ

وحبـّك أنت علَّمَنِـي وقبلك لـمْ أكُـنْ أَعْـلَمْ

أقـام الحبُّ مَسْجِـدَهُ  ولسـتُ مؤذّنـاً أَبكَمْ!!

67

شهدتُ صلاةَ عصفوريـنِ  تحتَ مآذنِ الغيمةْ

وهزّتْنـي دموعُ الطَّـوْدِ  عِنْدَ تَبَتُّـلِ النَجْمَـةْ

أنا الألحـانُ يا لَيلَـى  وأنتِ حقيـقةُ النَغْـمَةْ

68

فُـؤادي هيكلُ الأنـوارِ شِعْـرِي هُدْهُـدُ النّبأِ

يباغتُ بالرؤَى رُوحي ويَدْعُـوني عَلَى الملأِ

ويَأْتِينِـي بعرشِ الحـبِّ يا ليـلايَ من "سَبأِ"

69

وأنَتِ وَقَفْتِ بِي في الرَّمزِ ثُمَّ حَرَمْتِنِي التـّفسيرْ

وقلتِ: النّـورُ ليسَ لهُ  مِنَ الأسماءِ إِلاّ النـّورْ

قطوفُ الحبِّ دانيةٌ  ولكـنَّ القبـورَ قبـورْ!!

70

أنا يَحْيَى الذي يَحْيَـا برأسٍ لمْ يُطِـقْ خَفْضَهْ

ولِى في كبريـاءِ الحبِّ عهدٌ لَـمْ أُرِدْ نَقْضَـهْ

دفعتُ الرّأسَ قربـاناً على طَبَقٍ مِنَ الفِضَّـةْ

71

وأنتِ وقفتِ بْي في الزّهدِ قـائلةً: خُـذِ الدنيـا

فَأَغْمَضْتُ العيـونَ وسِرتُ نحو  الغـابةِ العليا

دَعِي للنـّاسِ دنيا النّاسِ خالصةً  ولِى الرؤيـا

72

وها أنا ذا بتاجِ الشّـوكِ أدخلُ هَيْـكَلَ الأحزانْ

وقد نَصَبُـوا لمعجِزَتي صليبَ الخوفِ والنسيانْ

وبِاسْمِ الحبِّ يا لَيلَـى تكـونُ قِيـامةُ الإِنسـانْ

73

أحبُّـك فلَتغِبْ شَمْسِـي لتُشرِقَ بَعْدَهـا شَمْسِي

ففيكِ اسْتَشْرَفَتْ رُوحي غَدِي المولودَ مِنْ أَمْسِي

وَحسْبِـي أنَّ عِلِّـيِّـينَ ميعـادي مَعَ العُـرْسِ

74

نطقتُ بـآيتي في المَهْـدِ فانتظـري بِشَاراتي

سأُبهِر بِاسْـمِكِ الدُّنْيـا وأُعْجِزُهـا بآيـاتـي

وإِنْ أنا غِبْـتُ يا لَيلَـى فَبَعْـدِي يُشرِقُ الآتي

75

لِيَ الإِسراءُ والمعراجُ يا مسطـوري المُنْـزَلْ

بُراقُ الشِّعْـرِ لوَّحَ للجَمَـالِ وطــارَ للأجملْ

وكانَ عَـزَاءَنا أنَّــا بَلَغْنَا المُطْلَقَ الأكـْمـلْ

76

هناك وقَفْتِ بِي في الشـوقِ عِنْدَ نهـايةِ الشّوقِ

وعِنْدَ نهــاية الأبعـادِ  لا تحتــي ولا فوقي

هناكَ بَلغْتُ في حُبِّيكِ سِـدرةَ منـْتهَى عِِشْـقِي

77

صَعَدْتُ لغايـةِ الغاباتِ بالـرُّوحِ التي اشْـتَعَلَتْ

وبالقلبِ الذي أفضَـى وبالعينِ التـي اكْتَحلَـتْ

ليعلـمَ أنبيـاءُ الحبِّ أنَّ الـرّحلَـة اكْـتَمَلـَتْ

78

فبِاسْمِكِ ذُبتُ حينَ خَلَوتُ ثمَ علَوتُ في التَجْرِيدْ

وصار الفَقْـدُ عينَ الوجْدِ غابَ الحَدُّ والمحدودْ

أُحِبُّكِ، لا أحبُّ سواكِ  تلك شَهـادةُ التوحيدْ!!

79

وما كـانْت صـلاةُ الحبِّ إِلاَّ مـوعداً ولقـاءْ

دقـائقَ تجمعُ الأزمـانَ أرضٌ تلتقـي وسماءْ

وتُشـرِقُ وحدَها لَيلَـى فتمتلئُ القلـوبُ ضِياءْ

80

وما كانتْ زكـاةُ الـرُّوحِ إِلا خَلْعَهـا الدنيـا

يصيرُ رجـاؤها المرمُـوقُ  ألا تَـرتَجي شيَّا

وتدِركُ أنَّ وَعْـدَ الحبِّ أمـراً كَـانَ مَقْـضِيَّا

81

وأَروعُ لذةٍ في الصَوَمِ صَوْمِيْ عن سِوَى المحبوبْ

تطلُّعُ أعيْنُي العَطَشَــى لكوثر حُسنهِ المحجـوبْ

وشوقُ جوانِحي الْجوَعَى لمـائدةِ الهَوى الموهوبْ

82

وأعظمُ حَجَّـةٍ في العُمْرِ حَجَّـةُ قلبِـيَ العارفْ

يطوفُ هناك حَوْلَ البيتِ وهْوَ البيتُ والطـّائِفْ

هنالكَ حيثُ يسمو الوصفُ حتى يُعْجِزَ الواصِفْ

83

أتَيتُ وأتـْركُ الدنيـا قريـراً سـالِمَ الصـّدْرِ

صـلاةُ محبَّتـي شِعْـرِي زكاةُ محبَّتي عُمْري

أحـاذرُ رِدَّةً في الحبِّ ليـس لهــا "أبو بَكرِ"

84

فَرَقتُ بصوتِيَ الضوئـيِّ بين الحبِّ والبَغْضَاءْ

وكنتُ على فمِ العُشّاقِ في الصحْراءِ قطْرةَ ماءْ

فهل مَهْرُ الحنينِ البِكْـرِ تلك الطعنةُ النَّجْلـاَءْ؟!

85

لقد ضاقَ الحصـارُ بنا وباب المُلْتـَقَى طَعْنـةْ

وليس وراءَهـا إِلاَّ  قميصٌ يقْطُـرُ الفِـتـْنـَةْ

أنا أَتْمَمْتُ فيكِ الصـّومَ والإِفطـارُ في الجنَّـةْ

86

سَيَنْـبُتُ من دمِي شَجَـرٌ على أغصانِهِ الشهداءْ

ومسكونـونَ بالأسرارِ يحترقُـونَ دون ريـاءْ

وبكَّـاؤونَ في الأَسْحَـارِ ليسَ لَهُمْ سواكِ عَزاءْ

87

أحُبُّـكِ فليصدِّقْني الصَّـدَوقُ  ويجْحَـدِ الْجـاحدْ

ففيكِ هزَمـتُ من سَخِـروا بزهرةِ حُبِّـيَ الخالدْ

أُحِبُّـكِ فليكُـنْ مِنِّـي الشّهيـدُ ومنهُمُ الشـّاهدْ!!

88

فأنتِ وقفتِ بِي في الصّمتِ ثم هتفـْتِ بِيْ: غَـنِّ

فقلتُ: الحتفُ دونَ الوصفِ إِنَّ الشِّعـرَ لا يُغْنِـي

فأنتِ منحتِـني إِيـّـاهُ  ثم أخذْتِـنـي مِنـِّــي

89

وأنتِ وقفتِ بِي فِي البَـوْحِ ثم هتفتِ: مِتْ صَمْتا

فلمْ أعرفْ مَعَ الأحيـــاءِ قَلْبـي أَمْ مَعَ الموتَى!

فكيف نَذَرتنِـي للشـّوقِ سـائلـةً: هل اشتقتـا؟

90

بـلالُ" العـاشِقْيـنَ أنـا وسيِّـدُ أهلِ طـائفَتي

هَزارُ السِّـدْرةِ العصماءِ فَوْقَ الفَــوْقِ قـافيتي

هديلُ الوجْدِ في قلبي  وصدْقُ الوحْيِ في شَفَـتِي

bekhitpoet@yahoo.com

صمت الكليم – الجزء الثالث

21-40