صمت الكليم – الجزء الخامس والأخير
صمت الكليم – الجزء الخامس
91 - 114
91
أضِئـْنِـي مــرةً يـا حُبُّ قِـدِّيساً وُصْوفـيَّـا
وخُـذْ شِعْـراً مِنَ الفـردوسِ يبقَـى دائمـاً حيَّـا
فليسَ يمـوتُ مـَن سَيمـوتُ موتـاً "سَهْرَوَرْدِيـّا"
92
وكَمْ مِنْ مدَّعٍ في العشـقِ كَـمْ مِنْ كاذبٍ وَصَفَهْ!
ونحنُ ملـوكُ أهَـلِ العشقِ نَعرِفُ وحدَنَـا شَرَفَهْ
لقد ذُقْـنَـا فَصَدَّقْـنَا ومـَن ذاقَ الهوى عَرَفَـهْ!!
93
أنا الأقطـابُ والأبـدالُ بـازُ الوَجْـدِ والهِمَّــةْ
إِمـامُ أَئِمةِ العُشَّــاقِ شَطْحِــي يُمْطِـرُ الحِكْمَةْ
أنا (كافُ) الكَمَالِ بـ"ِكُنْ" و(نونُ) النورِ في الكِلْمةْ
94
أُحِبُّ كأنَّ "رابــعةً" أَضَـاءَتْ فِـيَّ وأتَلـَقَـتْ
بأحَـدَاقي فإِنْ نَطَقَـتْ بَكَتْ وإِذا بَكَـتْ نَطَقَـتْ
وإِنْ نَظَرَتْ رأَتْ سُفـنَ الرجوعِ جميعَها احْتَرقتْ
95
سَأَسْكُبُ دَمْعَتي في النـارِ تُطفِئُ حَرَّها التَّـقْوى
وأشعلُ نـارَ أشـواقي لتَحْـرِقَ جنَّـةَ المـأوى
لتبقَــى رؤيةُ المحبوبِ غـاية حبي القصوى!!
96
حَنِيْنِي ترجمـانُ الشوقِ إِسْـرائـي فُتوحـاتي
سمـاءُ العاشقيـنَ أَنا وأنتِ سَمـا سمـاواتـي
فولِّي الوجـهَ حيثُ أردتِ ثمَّ تكــونُ مرآتـي
97
أنـا العلمـاءُ والرهبـانُ والكُهَّـانُ والأَحْبَـارْ
وحُبُّكِ شَــادَ مِئذَنَتـي وشَدَّ بخَصْرِيَ الزُّنّـارْ
وحبُّكِ فِتنتِــي وهُدَايَ حبُّـكِ جَنَّتِـي والنـّارْ
98
أَديِنُ بِديــنِ أهلِ الحبِّ قَلْبـي قِبْـلَةُ الإِحساسْ
أكونُ مؤذِّناً في الفَجْـرِ يُـوقِظُ أطهَرَ الأنفـاسْ
وشَمَّـاساً بِجَوفِ الدّيـرِ يُوقِـدُ شمعةَ القُـدَّاسْ
99
أمـا أَوْقَفْتنِـي في الشَطْـحِ ثُمَّ سألتِ: ما التمكينْ؟
فناديتُ: اليقيـنُ رضـاكِ والدنيـا سواكِ ظنـونْ
فقلتِ: اذْهَبْ فحيثُ يكونُ صِدْقُ الحبِّ سوفَ تكونْ
100
أمـا أَوْقَفْتِنِي في الحـالِ قلتُ: جَلَـوْتُ مرآتـي
وهــاءَ القلبُ لِلُقيَـا وهـاءتْ لِي مَقامــاتي
وها أنا واقـفٌ بالبـابِ تُـومِئُ لِيْ فُيـوضاتي
101
أمـا أوقفتِنِـي في الصَحْوِ ثُمَّ سألتِ: ما السُّـكْرُ
فقلـتُ: تأكُّـدُ الشطــآنِ أَنَّ الموجَـةَ البَحْـرُ
وإِحسـاسُ الربيـعِ بأنَّ لشـوْك الوردةِ العِطْـرُ
102
أما أَوْقَفْتِنِـي في الحُسْـنِ فاستعذبتُ مَــورِِدَهُ
فقلتِ: أزائـلاً تَرجُـو؟ فقلتُ: سَنـاكِ خلَّــدَهُ
فقلتِ: فهـل تَــراني فيـهِ؟ قلتُ أَجَـلْ فأعْبُدهُ
103
أما أَوْقَـفْتِنِـي في المحْـوِ ثُمَّ هتفـتِ: أنتَ بِنـا
فُتِنْتَ عن السّـنا حيـْناً وحيـن دنوتَ مِنْهُ دَنَـا
فقلتُ: لِمـنْ أكـونُ الآنَ؟ قلتِ: الآنَ أنتَ لنــا
104
أنا المفقــودُ في الموجـودِ يا حِلِّـي وتَرحالي
مريرٌ مـاءُ تَغْرِيــبِي ومـاءُ الملتقَى حــالِ
وغيـرُ الشـّـوقِ لاريٌّ ولا زادٌ لـرحَّــالِ
105
سأشربُ وحدتيــ وأذوبُ في صَمْتَي وإِطـراقي
وفي صمتــي أروِّي الكونَ مِنْ ينبـوعِ أشواقي
أنا الحاناتُ والأقــداحُ والصهبـاءُ والسـّاقي!!
106
سأصْرَخ صرخة "الشِّبْلِـيِّ" حين أنـارَهُ التعذيبْ
أُحِبُّكِ عَذِّبِي ما شئـْتِ ما يُعطِي الحبيـبُ حَبيبْ
فلا كـانَ الفـؤادُ الصَّبُّ إِنْ لم يَدْرِ كيفَ يَذوبْ
107
أرى قَدَمِـي أراقَ دَمي وهـانَ دَمي وهـا ندَمي
هتفتُ بجملةِ "الحـلاَّجِ" حينَ سكِرت من ألمــي
صَـلاتي في رضاك تَصحُّ إِن كانَ الوضوءُ دَمي
108
فأوَّلَ ما تجلَّــى الحبُّ لِـي أصبحتُ إِنسـانَـا
وحيـن دَخلـتُ مَعْبَـدَهُ جَعَلتُ الشِّعـرَ قربـانا
وهـا أنا صِرتُ قِديـساً وصــارَ الحبُّ إِيمانا
109
وصفتُ فَفـزْتُ بالفلذاتِ حتى طــاحتِ الفلذاتْ
فقد أفنَـى شهـودُ الذّاتِ سـافرةً شهـودَ الذّاتْ
وليستْ تُـوصَفُ اللّــذّاتُ عند نهـايةِ اللّـذّاتْ
110
فَحَسْبِي أن يضيقَ الوصفُ -عَمَّا أرتجِي- وَصْفـا
وأن أَجْـلُوْ غوامضَهُ سُـدىً فيشِـفّ كي يَخْفَـى
لكي يبقَـى على الآبـادِ كَشْفـاً يَطْـلُبُ الكَشْفَـا
111
وحسبي لذَّتـي في الوجـْدِ إِن لَمْ أُدرِكِ الموجـودْ
وأن أَهَب الّذي أُعطَـى لكي أُعطَـى بغيرِ حدودْ
ليبقَـى حبُّنَـا رمـزاً لوحدانيـّـةِ التـّوحيـدْ!!
112
أنـا لكِ منْـكِ فيـكِ إِليـكِ مـِن أزلٍ إِلى أبـدِ
ومِن روحٍ إِلـى جَسدٍ إِلـى روحٍ بــلا جسـدِ
ومِـن أحـدٍ إِلى كـلٍّ ومِـن كـلٍّ إِلـى أحـدِ
113
وَهِمـْتَ فَهِمْتَ ثُمَّ فَهِمـْت فاظْمـأْ أيّها النشـوانْ
وأثقَلكَ التـّرابُ فَمِتْ لتخـلعَ وحْشـةَ الأبــدانْ
هناكَ -ولا هناكَ هناكَ- حَسْبُ العارفِ العرفانْ!!
114
ظمئـْتَ لنهـْلةٍ في الحبِّ ثُمَّ رويـتَ وِجْـدَانَـك
فكُـنْ أهـلاً لكي تتلـو عَلَى العُشّــاقِ قرآنَـكْ
هَنِيـئاً قد بَلَغْتَ مُنـاك قُـلْ: يـا حبُّ سبحانَكْ!!