شهد العزلة - 21 - 40
شهد العزلة
21-40
أحمد بخيت
21
ذهبتُ إلى بياضِ المـوتِ عبْر نعـومةِ الثعبـانْ
وكنتُ أحسـّ موسيقـا الفناءِ تَخِبُّ في الشريـانْ
وأُمّي تشـتري بالدمـعِ أيــامي من الأكفـانْ!
22
سـلاماً يـا غيـابَ أبي بريـدُكَ فصلُ غبطتِنـا
فهل تتقبّـلُ المدنُ البعيـدةُ طعـمَ خُطوَتِنــا؟!
وهل أعددتَ متّـكَـأً لنهبطَ فــي محطّـتِنـا؟!
23
أذان الفجـر يبلعـه عـواء قطـارنا الأسيــان
ويحمِلُنـا لمجهــولٍ نشيــرُ إليـهِ بالعنـوانْ
شَمالاً في اتجـاهِ الخوفِ والأحـلامِ والنسيـانْ!!
24
أتينــا من صعيـدِ الشّـوقِ أفئـدةً جنـوبيّـةْ
نفتّـشُ تحتَ وجـهِ الشمسِ عن خبـزٍ وحرّيّـةْ
وعن بيـتٍ نربّـي فيـهِ لهجتَنا الصعيـديّـة!!
25
أتينـا طيـبةَ الغربــاءِ من أبــوابِها السّبعـةْ
فَراشاً صـاعداً للكشفِ في صوفيّــةِ الشمعــةْ
فكانَتْ طيـــبةٌ أنثـى تلخّص عمـرَها دمعةْ!!
26
بيـوتٌ لا تـراها الشمـسُ لا تَنْسَـى ولا تُنْـسَى
وأحزانٌ معتَّـقــةٌ وصبرٌ يهــزِمُ البـؤســا
وآمـالٌ مؤجَّـلــةٌ ولـم تتعلـّـمِ اليـأســا!!
27
(حَوَارِي) مِصْـرَ حانيـةٌ على الفقـراءِ كالسكِّينْ
تدسُّ خشــونةَ الأيـامِ في أبنــائها الماشيـنْ
وتُشبِعُ جُـوعَ تَوْرِيَتِـي وتدعوهـم حَوَاريِّيـنْ!!
28
رأيتُ هنــاكَ طفلاً مــا يرى الدنيــا بأعيُنِهِمْ
يـزوِّج مسـتحيـلَ خُطـاهُ يا لَيلَــى لممكنِهـم
يرقّ لهــم إذا قـرأَ الرضـا في وجهِ مؤمنِهم!!
29
وكانَ هنــاكَ شعـرٌ مـا قريباً مـن أصـابعِهِ
عميقٌ سـاخنٌ عذْبٌ مريــرٌ فـي فــواجِعِـهِ
طقـوسُ طفـولتي وصِبـايَ بعضٌ من مقاطعِهِ!!
30
أنا هو ذلـك الولدُ المُصــابُ بكبـريـاء الرُّوحْ
كثيراً مــا يُرى خَشِنـاً وممتلئـاً أسىً وجمـوحْ
فإنْ أبحرتِ داخلَهُ تَكَشَّـفَ عن حنــانِ مَسيـحْ!!
31
أنا زهـوُ الأبِ الحـدّادِ حُلْـمُ شبـابِهِ النـّـاضرْ
على إيقـاعِ سـاعدِهِ الفَتِـيِّ ترنّــمَ الطـّـائـرْ
أنا الحدَّادُ يا لَيلَـى وزنْدُ أبـي هُـوَ الشّـاعِـرْ!!
32
خُذِي ما شِئـتِ من سَهَرِي وكُـوني الليلَ والشمْعا
خُذِي ما شِئْـتِ من تَعَبِـي وكُـوني الخبزَ والنّبْعا
عسانا نلـتـقي بالصّبح في مُـدُنٍ بلا جـوعى!!
33
أنـا من هـؤلاء النـّـاسِ أبنـاءِ الترابِ الحـيّْ
وأبناءِ العــذابِ الفـرضِ أبناءِ الأسى الجبـريّْ
يَمُرُّ السّهـمُ في دَمِهِـمْ فيرتدُّ النـّزيفُ إلــيّْ!!
34
هُمُ الفقــراءُ مِلْـحُ الأرضِ قلبُ العـالَمِ الدافـئْ
خُطــاهمْ في مدائِنِهِ المُدانـةِ تَوبَـةُ الخــاطئْ
فهل تَتَنَكَّـرُ الأمــواجُ يا ليـلايَ للشــاطئْ؟!!
35
قرأتُ كتـابَ من يمشـونَ مقهـوريـنَ منسيِّيـنْ
فأسمَعَنِي هُتافَ الـرُّوحِ يخفـقُ في عذابِ الطيـنْ
فكيفَ أغمِّـضُ العينين* عن صوفيّـةِ المـاشينْ؟! (لحزني)
36
أهـاجـرُ من تفــاعيل (الخليل) العـالِم الرائـعْ
ألحّــنُ ضحـكةَ الأطفـالِ أو تنويـمةَ الجـائعْ
فهل علِمَ البلاغيّـونَ أن الشِّعْـرَ في الشــارعْ؟!
37
رأيت شجــارَ أرملـةٍ تغــالط بـائعَ الألبـانْ
وثقبُ ردائِهـا المبتــلِّ يجلِـدُ جـارَها الشهوانْ
وطفـلاً عــاريَ الفخذَيْـنِ يحبـو نحوَها بأمانْ
38
وكهـلاً يحرسُ الإعيـاءَ في ركنٍ من المقهــى
وكلُّ هزائـمِ الأيــامِ خلفَ الضّحْــكَةِ البلهـا
يرى تنُّـــورةً فيُطِيـلُ عمرَ النظـرةِ الولهى!!
39
وخلفَ نوافــذِ الأوهـامِ تقعي العـانسُ الشمطاءْ
تخبّئُ في الليـالي السُّودِ عجْـزَ الخصلةِ البيضاءْ
وحُلمُ العُـرْس في أهدابـها يغفـو على استحياء!!
40
هنـالِكَ رغـمَ هذا الضعـفِ وجهُ القـوّةِ البسّـامْ
سطوعُ الرُّوحِ في الإنســانِ ضدَّ جهـامةِ الآلامْ
صمـودُ الساعدِ العــالي أمامَ ضـراوةِ الأيـامْ!!