شهد العزلة (1-20)

أحمد بخيت قرأها 6
 

شهد العزله

1-20

أحمد بخيت

1

رأيتُ الصمتَ والنسيـانَ  يجتهـدانِ دونَ ضجيجْ

وأبــواباً بلا معنـىً  دخـولٌ مرةً وخــروجْ

فقلتُ أخلّـدُ البستــانَ  يا لَيلَـى ببعضِ أريـجْ

2

وقلتُ أعلّـمُ الفَخّــارَ  شيـئاً من ذكـاءِ المـاءْ

وأوقـظُ غفـْلةَ الأشيــاءِ  كي تتكلمَ الأشيــاءْ

لعلّ زجـاجةَ المصبـاحِ  تحفظُ حكمةَ الأضـواءْ

3

أنا ضيـفٌ على الدنيـا  وأوشـكُ أن أودّعَهــا

وُلدتُ بحِضْـنِ قـافيـةٍ وأختـمُ رحلتـي معَهَـا

وغـايةُ شهـوةِ الكلمـاتِ أن تغتـالَ مبدعَهَـا!!

4

أراوغُ شهـوتي للمـوتِ منذُ صرختُ في الميلادْ

وأعبُـرُ برزخي وأعـودُ  منتصـراً على الأبعادْ

لكي أصطـادَ خُلْـدَ الـروحِ قبلَ تحلُّـل الأجسادْ

 5

وأُمِّـي في صـلاةِ الفجـرِ  ترفـعُ وجهَهــا للهْ

ليَرْجِعَ طفـلَها المخطـوفَ يوماً واحــداً لتـراهْ

فمنذُ رأى عـروسَ البحــرِ أصبح شِعرُهُ منفـاهْ

 6

لَقَدْ نَدَهَـتْـهُ جِنّـيّــاتُهُ فانسـاحَ في الملكـوتْ

ومسّتهُ الـرّؤى فاختـارَ وعـدَ النـّـارِ للكبْريتْ

إذا هجرَتْـهُ نـارُ الشـِّعرِ ماتَ وإن دَعَتْهُ يموتْ!!

 7

 أنا قنّيـنةُ الفوضــى ولا ترتيـبَ للصعلـوكْ

ولا أحـدٌ سيجـعلُنـي أقـدّم بيـعةَ المملــوكْ

حديثــي نصفُ سوقيٍّ  ولكـنّ الجِراحَ مُلـوكْ

 8

وُلدتُ علـى سريرِ الحُبِّ شـأنَ أعزِّ مَن وُلِـدُوا

وأُتقِـنُ لعبـةَ الأشـواقِ  أعرفُ كيـفَ أتَّـقِـدُ

 وأعرفُ مـا يُحِسُّ النـّاسُ إن وُجِدُوا ولم يَجِدُوا

 9

وُلدتُ هنـاكَ في صبحِ الجنـوبِ وُلدتُ والأمطارْ

وكانَ الحُـبُّ يستُـرُ عُريَهُ  في خرْقةِ الأنــوارْ

وطارَتْ صـرختي الأولـى يماماً يلـقطُ الأسرارْ

 10

وُلدتُ هنـاكَ حيثُ النيـلُ والقـرآنُ والأجـراسْ

ودفءُ البوحِ بوح الدمعِ دمع الصدقِ  صدق الناسْ

وكـلُّ بكــارةٍ في مصرَ  لا يبتاعُها النخّـاسْ!!

 11

هنـالِكَ حيـثُ يُفضي العـابرُ اليومـيُّ للمطلَـقْ

ولا نحتـاجُ للكلمـاتِ والتـّنهيــدِ إذ نعشــقْ

وحيثُ الجبـهةُ السمــراءُ أفصحُ عنـدما تعرَقْ

 12

هنـالِكَ حيثُ تعلو الرُّوحُ في زهـوٍ على الأوجاعْ

وحيثُ فجــاجةُ الأيـّـامِ ســافرةٌ بغيرِ قنـاعْ

 وحيثُ تجـــابهُ الدنيــا بقلبٍ أعـزلٍ وذراعْ

 13

هنـالِكَ حيـثُ تشربُنــا الحياةُ فتنـتشي وندوخْ

وحيثُ طفـولةُ الأحلامِ  تبلُـغُ رشدَهـا وتشيـخْ

وحيثُ النـّـاسُ يا ليـلايَ ليسَتْ تدخُلُ التـاريخْ

14

هنــالِكَ حيثُ يبدو العمْـرُ سعياً لاهثاً وشتـاتْ

وتبدو الـذّات غائبـةً  دفاعاً عن وجـودِ الـذّاتْ

هنـالِكَ حيـثُ عنفُ المـوتِ يجعلُنا هُواةَ حياةْ!!

15

طريقــي رحلـةُ الزرزورِ  يا ليــلايَ للتغريدْ

ورحلةُ سيـْفِيَ الخشبيِّ مِنْ طفـلٍ لجُـرحِ شَهيـدْ

ورحلةُ مُبـحرٍ في الشـّكِّ  نحوَ شواطئ التوحيدْ!!

 16

خُطـايَ تردُّني لخُطـايَ متجهـاً إلى (الكُتّـابْ)

فأشرَبُ صَـوتَ سيّدِنـا الأجشَّ وسُورةَ الأحزابْ

وأحلامي التي تنمـو مهدَّـدةً بألـفِ عقــابْ!!

 17

خُطـايَ سجيـنةُ الصّوتِ الأجشَّ  تراوغُ السجّانْ

تراقبُ سـاعةَ الشمسِ  التي تنمـو على الجدرانْ

وعندَ خروجِهـا ترنـو إليـهِ  فتلـْمَحُ الإنسـانْ

18

وتلمَحُ صــورةَ الأُمِّ التي حقَنَـتْ دمـي زهـوا

تردُّ يـداً تمـدُّ لطفلِها الحلــوى  بـلا شكـوى

فأشعُــرُ أنني مازلتُ أكـرهُ قطعـةَ الحلـوى!!

 19

وكـان أبـي يطـاردُ خبـزَنا في بلـدةٍ أخـرى

يرانــي مـرّة  ويُحِبُّـنِي في لحـظةٍ عمــرا

ويدرك أنني سهـواً أضفتُ لقــامتي شبــرا!!

 20

ســلاماً يا غيـابَ أبـي.. ألم تشتَـقْ لتقبيـلي؟

لقد خرَجَ الفتـى الوهّـاجُ  من بـرْدِ الكـوافيـلِ

وما عـاد الصغيـرُ يسيـرُ مبتلَّ السّـراويـلِ!!