في صحبة الشيطان
أحاسيس غريبة تنتابني ومشاعر غضب تزخر في صدري.. تخنقني ولا أقوى على ردها، أو حتى التسليم بها.. كلما حاولت دفع الأمور إلى الأمام، تدحرجت بسرعة غريبة إلى الوراء وكأن الدنيا تعاندني.. تخاصمني.. تهزأ بي. حيرة تقتلني.. أأنا فاشل؟، أم أن اللعبة أعقد مما أظن؟، لا أدري. لعل هذا سبب نقمتي على واقع أصبحت أشعر فيه بالعزلة.. بالغربة وأحياناً بعدم الانتماء.. لا أدري، غير أن شيئاً واحدا بات مؤكداً لي: "إن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب"، وهذه أيضا ما استسغتها أبداً. عدت خائر القوى.. منهك الجسد وقد أعياني اللّف على الدوائر والمؤسسات، طقوسٌ أمارسها منذ عام وكلما لمع بصيص أمل جاء الطوق الملعون ليحيله سراباً وسط هجمة شرسة من جيوش العاطلين، وأنا لعنةُ حلت بي.. نحسٌ يطاردني، أينما حللتُ فالأبواب موصدة أمامي، عدا واحد بعينه، حين اقتربت منه تراجعت كل الأفكار أمام هاجس راح يعبث بي. يستفزني ولا يكف عن إذلالي، فلا أجد مخرجاً، وقد نفذ ما في جعبتي من أعذار وما عاد كيس الطحين يحتمل مزيدا من الوعود. تابعت بخطى متعثرة وأنا أحسب للقائها ألف حساب ولا أدري كيف أحجمت هذه المرة عن تحقيقها المعتاد، لعل الفضل في ذلك يرجع إلى كومة الملابس المصلبة في الوعاء أمامها. سألتني بصوت منهك إن كنت أرغب في تناول الطعام، فأجبت بالنفي وعرّجت على غرفتي من دون تريث، خشية أن تعيد السؤال مرة أخرى، ثم ننجرّ لحديث قد لا تُحمد عقباته، لكنها ما فعلت.
استلقيت على سريري، لعلي أنعم بقسط من الراحة، أو غفوة تريحني من دويّ الطبول في رأسي ولكن من دون جدوى، رحت أعبث بالكتب المبعثرة على المكتب المجاور، محاولاً صبّ تفكيري في شيء ما، يخرجني من دائرة الضياع التي تحاصرني، فوقعت عيني على كتاب يحمل عنواناً غريباً _مملكة الشيطان– رحت أقلّب أوراقه، فتشدني بعض السطور.
فجأة تضاعف وزن الكتاب بشكل عجيب، حتى عجزت يداي عن إمساكه، فسقط على الأرض ودار حول نفسه دورات عدة، محدثاً جلبة غريبة، ثم انبعث منه خيط دخان رفيع، راح يعلو حتى ارتطم بسقف الغرفة، وأخذ يتشكل بأشكال غريبة.. مخيفة أفزعتني وجمدت الدماء في عروقي. للحظة كدت أفقد ما تبقى لي من بقايا عقل وأنا أرى المقاعد تسبح في فضاء الغرفة وأحيانا تكاد ترتطم بي. صرخة تجمدت في حلقي، فقررت الفرار، لكن أطرافي خانتني وأصبحت بلا حول ولا قوة، أراقب ما يجري بصمت. لحظات كأنها الدهر، ثم هدأت الجلبة وبدأ الدخان ينحسر شيئاً فشيئاً عائداً من حيث أتى وقبل أن يغيب داخل الكتاب أومأ لي بإشارة مريبة كأنه يحثني على اتّباعه، فتملّكني الرعب من جديد وقبل أن أفيق من دهشتي، شعرت بقوة خارقة تدفعني إلى عالم غريب، دهاليز ضيقة.. عفنة تغشاها ظلمة إلا من بعض أضواء خافته، تنبعث من قاعات متناثرة على جوانب الدهاليز، أثارت بداخلي فزعاً لا حدود له، وذلك جراء الاستغاثات والصراخ المنبعث منها، إلا أن السرعة الهائلة التي كنا نقطع بها المكان، منعتني من معرفة ما يدور هناك. فجأة وقفنا على واحة واسعة لا تكاد تبصر لها حدود، كأنها جنة الله في أرضه، خضرة.. أنهار.. غلمان يدورون بالكؤوس وقصر يتوسط المكان. شعرت بالأمان.. هدّأت أنفاسي وتمنيت لو تركني مرافقي وانصرف إلى حيث يشاء، غير أن فرحتي لم تدم وعاد الشك يراودني، خصوصاً حين وقع بصري على لوحة معلقة على باب القصر الذي أقف أمامه، مكتوب عليها –مملكة الشيطان-. كدت أصعق إثر صوت كأنه الرعد يسأل من بالباب، عندها نطق مرافقي الذي أراه للمرة الأولى: إنسان حاصرته الدنيا يا مولاي. فعاد الصوت يقصف من جديد: "أي أحمق أنت!.. ألم تعلم بأن باب القبول مغلق؟".، فردّ مرافقي موضحاً الأسباب: "لقد أشفقت على حاله يا مولاي ولمست فيه عفةً أحوجتْه ولا أراه يشترط أو يبدي اعتراضاً". عندها تكلمت بجرأة لا أعرف مصدرها: "إلا الكفر أو الشرك بالله"، فدوت ضحكة اهتز لها المكان وبسخرية لاذعة أجابني: "أيها الأحمق الصغير، هذه أشياء كنا نشترطها في عصور كعصر أبي جهل وما عادت تصلح لزماننا، هيا.. هيا ادخل أيها المتخلف الصغير".
يا إلهي !.. ما هذا؟!.. باحة ذات اتساع عجيب، مقسمة إلى قاعات تمثل عصورا متعددة وعهودا مختلفة عرّجتُ على بعضها، شاهدتُ زوجة لوط تراقب قومها وهم يمارسون طقوسهم الشاذة برضى واستحسان. انتابها الذعر حين رأتني، هبّت عن كرسيّها فزعةً وصاحت بهم، أشارت نحوي. تنبَّهوا للأمر، تهامسوا، ثم هرولوا باتجاهي. في البداية لم أفهم قصدهم ولكن حين اقتربوا وعلا صراخهم، اتضحت الصورة وبان القصد في العيون، هرولت مرعوباً، نظرت خلفي، فإذا بالسور يصدّهم. شعرت بالأمان، فوقفت ألتقط أنفاسي، نظرت حولي وإذ بي أمام قاعة أخرى، رأيت رجلاً منكباً على شيء يصنعه وحين دققتُ النظر، تأكدت أنه السامري، تحيط به ثلة من قومه، جرّدتْ سيوفها لتقارع ثلة أخرى تعد لمهاجمتها، فغّت المكان ظلمة ولم أعد أرى شيئاً، لكن صليل السيوف لم ينقطع، بل ازداد عنفاً حتى صمّ الأذان. خيم الصمت وانقشعت الظلمة، لتكشف عن شلال من الدماء وجثث راحت تأخذ مواقعها من جديد وكأن شيئاً لم يكن. تكرّر المشهد، فلم أعد قادراً على تحمل ذلك، شعرت بالغثيان، تركت المكان لأجد نفسي أمام باحة تتوسطها بركة خمر، اصطفّ حولها رجال ونساء، عراة كما ولدتهم أمهاتهم، يتواقعون دون حشمة أو حياء، إلا أن رجلا من بينهم شدني سلوكه الغريب، كان كلما فرغ من واحدة، ينكب على وجهه ويلعق ما شاء من الخمر، ثم يقفز كثور هائج.. يطارد النسوة، فيعلو الصراخ والضجيج حتى يظفر بواحدة يواقعها بقسوة ثم يتركها وينطلق خلف أخرى. لمحني أراقبه باشمئزاز فجن جنونه، قفز نحوي ككلب مسعور، لكني كنت أدرك بأنه لن يصلني، فعمدت إلى استفزازه حتى خارت قواه وتحول هياجه إلى نواح ضعيف، عندها تركت المكان تغمرني نشوة عجيبة، لكن الأمر انقلب إلى الضد حين وقفت بي خطاي أمام قاعة جديدة، صعقت من هول ما أرى، شيخي الذي تتلمذت على يديه.. جاري الذي سجنتُ معه.. وجوه أعرفها وأخرى لا أعرفها.. تساءلت: ماذا يفعلون هنا؟ ومن تكون هذه النسوة اللواتي يزخر بهن المكان، ثم ما هذه الطقوس التي يؤدونها؟، أسئلة كثيرة عصفت بي من كل جانب ولم أجد لها إجابة شافية. أخفيت وجهي لكي لا يراني أحد، وإذ بالصوت ينادي مرة أخرى: يا هذا خذ ما يعينك على دنياك من دون فذلكة أو نقاش وإلا سلطت عليك الفضيلة تنهش فيك فلا تبقي منك ولا تذر. وقبل أن أستوعب النداء، كانت زوجتي تهزني بعنف وقد أصابها الهلع.