نساء أمام طبيعة نهرية - رواية

زينب نبًّوه قرأها 6
 

قدم معهد (غوته) المركز الثقافي الألماني في دمشق قراءة لرواية: نساء أمام طبيعة نهرية. آخر أعمال الكاتب الألماني المعروف (هاينريش بول) الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1972. ألقاها د. صلاح حاتم، عالم اللغة الألمانية المحاضر في كلية آداب جامعة تشرين وهو من ترجمها إلى العربية.


ولد هاينريش بول عام 1917 في مدينة كولونيا على نهر الراين وتوفي عام 1985. أي أنه نشأ في فترة ما بين الحربين العالميتين.

يبرز الكاتب في كل أعماله سخف الحرب بكل صورها وأشكالها، ومحنة الأخلاق التي دفعت البعض إلى خلق الفاشية.

كتب بول القصة والرواية والمسرحية، وسلسلة من الأعمال النقدية، تناول فيها الأدب العالمي بدءاً من عام 1953. ازداد الاهتمام بالكاتب واتسعت شهرته ورشح عام 1958 لجائزة نوبل، وقد منحته الأكاديمية السويدية الجائزة عام 1972 عن روايته (صورة جماعية مع سيدة) ترجمها أيضاً إلى العربية د. صلاح حاتم.

صوّر بول في رواياته وقصصه عملية تطور المجتمع الألماني بدءاً من فترة ما بعد الحرب إلى الثمانينيات، كتب عن الإصلاح وإعادة التعمير، وعن الصحافة الألمانية، وهستيريا الإرهابيين. كان شاهداً على العصر.

تكمن أهمية مؤلفاته الإبداعية كما أشار د. حاتم (أنها تتفادى عجز الذاكرة، وتجعل الألمان شركاء في مخزونها الذي يثقل عليهم أكثر مما يبرِّئ ساحتهم فرواية صورة جماعية مع سيدة. هي قمة أعماله الإبداعية.

في آب 1985 وبعد موت بول بشهر واحد صدر آخر أعماله الأدبية (نساء أمام طبيعة نهرية). مسرح أحداث الرواية أحد أحياء مدينة بون الراقية. ويظهر فيه أن النخبة الحاكمة تتباين فيما بينها، فهناك المسيطر والحاكم. أي الصناعيين الاحتكاريين ذوي النفوذ من جهة والسياسيين من جهة أخرى، فأرباب الصناعة، وكبار الأغنياء خرجوا من الحرب دون أن يلحقهم ضرر، وباتوا يمسكون زمام الأمور بأيديهم، وما الحاكمون إلا عرائس في مسرحهم والآخرون بمواقعهم ليسوا إلا زخرفاً مثل الأسقف والجنرال وغيرهم. والموضوعات الأساسية التي تتخلّل الحوارات هي حضور المافيا في ذاكرة الشخوص الروائية في شكل تورط نازي لرجال ذوي نفوذ وسلطة الرأسمال التي لا يمكن التحكم بها والكنيسة الرسمية الكاثوليكية التي وصلت إلى مجرد زخرف..

في رواية (نساء أمام طبيعة نهرية) أشخاص منهم من يريد الهجرة، ومنهم من يريد الانتحار، أو يضع في حسبانه هذه الإمكانية. وهناك خيار آخر الغرق في نهر الراين. وتظهر أسماء متورطة في أعمال غير شريفة عمدت إلى التستر على حقائق، والتخلص من ملفات بإحراقها، أو إغراقها في النهر أو استغلالها في الابتزاز.

صرّح بول أكثر من مرة أنه من الصعب إعطاء معلومات دقيقة في بلد غير دقيق اسمه ألمانيا الاتحادية. لا شيء غيَّر الناس إلا وضعهم الاقتصادي. لم يتردد بول أن يعترف في كتاباته بأنه لم ينظر قط بعين الرضا إلى ما شهدته وتشهده ألمانيا الاتحادية من تطور. فهو يشكك في بنى هذه البلاد لأن البورجوازية الكبيرة وبعض (النبلاء) الذين صعدوا عالياً وحكموا من جديد هم قتلة يحكمون ويتنقلون في البلاد ولا أحد يستطيع أن يثبت عليهم تهمة القتل، خرجوا إلى الحياة أبرياء تحت أسماء جديدة، سفاحين وسافكي دماء، من يعرف الحقيقة ويكشف سراً من أسرار السياسيين إما أن تلفّق ضده تهمة فيتم التخلص منه بطريقة أو بأخرى، وإما أن يشكّك بسلامة عقله فيلقى به في أحد المصحات العقلية.

الكنيسة الكاثوليكية الرسمية تعمل في رواية (نساء أمام طبيعة نهرية). عمل مؤسسات الترويض والتدجين، وتستطيع الدولة تسخير هذه المؤسسة بصورة دائمة بحيث تظهر تجاوباً مع النظام السياسي أكثر من تجاوب الحزب الحاكم نفسه.

ماذا عن سلطة المال؟ إنه يرى فيها دلالة على الاغتراب، فالذهب على سبيل المثال لا يدل في روايته على شيء جميل ونفيس. بل على ذهب أسنان القتلى في معسكرات الاعتقال، وهذا يضمنه معنى سلبياً مثله مثل المال، فزوجة المصرفي لم تحتمل أن ترى المال. كانت تفكر بصورة دائمة بذهب أسنان المقتولين وابنتها هيلدا لم يستهوها مال أبيها ولا العيش في ألمانيا فتقرر الرحيل إلى نيكاراغوا. وهي مقتنعة بأن الموت هناك أفضل من العيش في ألمانيا.

ويلاحظ أن للمرأة دوراً كبيراً في روايات بول، فهي لها موقفها ومهامها وتجاوزها للكثير من موبقات المجتمع الرأسمالي حتى الخادمة، فهو يصوّر النساء وهن يقفن أمام النهر، وفي ذلك عودة إلى الطبيعة، فالنهر شاهد على العصر.

وُصف بول بأنه كاتب الناس البسطاء، الناس الصغار، فهو لم يجد العظمة إلا لدى هؤلاء.

الجانب المعروف من المشهد البوني (نسبة إلى بون) يظهر الأشخاص في موقف عصيب متأزم. سببه الشعور بالغربة في هذا العالم وشعور الإنسان بانعدام الوطن في بلده وفي وسط أسرته، فالألفة معدومة مع المجتمع والعالم والبيئة، ويتساءل بول متى ينعدم الإحساس بالوطن؟ حين ينعدم ما هو إنساني واجتماعي، فالوطن محال دون ذلك.

فلو تصورنا المشاهد التي قدمتها رواية (نساء أمام طبيعة نهرية) لرأينا لوحات فنية مؤطرة، والنهر العنصر الوحيد الذي لا يخضع للتأطير ولتجاوز حافات اللوحة، ولهذا فإن النهر هو موضوع الثورة، والسفن لا تكف عن الحركة فيه تبشر بحياة أخرى وبالمخرج من الركود. فالتيار هو الوقت نفسه ملاذ التاريخ، وفي هذا إشارة إلى أن الوطن ليس ممكناً إلا حيث يتم الاعتراف بالماضي على أنه جزء من الشخص والمجتمع ولا يستخدم بطريقة مزيفة لأغراض سياسية.

ويهيب بول بالسياسيين والأدباء أن يتساءلوا: لماذا لا توجد رواية واحدة من روايات أدب ما بعد الحرب لا تجد فيها ألمانيا نفسها. وقد تم تصويرها بلداً مزدهراً طيباً.

فالسؤال المشروع أين الإيجابي؟ ليس بسؤال غبي إلى هذا الحد، لم يطرح على نحو خاطئ بل وُجّه إلى الزائفين غير المخلصين، ما السبب في أنه ما من أحد كتب رواية مرحة عن هذا البلد (المزدهر)؟ ما من مانع يحول دون ذلك. الظاهر أن هنالك عوائق ترجع إلى أعمق مما يظنه الاستياء السياسي السطحي، بلد حزين من دون حزن.

منقولة عن صحيفة النور – دمشق – 24/08/2006