لوركا .. من وحي الجراح والموت

مي منسى قرأها 7
 

كم كان الختام جارحا، كم كان الشاعر وهو يتكلم عن الموت، يصيب موته دون ان يدري، دون ان ندري.eggggggggggggggggggsrgfesrgs45t54t.JPG

سكت الغيتار وصوت جرمان مونتيرو يردد بلغة غارسيا لوركا هذا المقطع الأخير من ليلة لوركية حدثت دون سابق إنذار في قاعة "لوتومان" في نطاق مهرجان البستان من غير ان تكون الأجواء مهرجانية.

الصمت خيم على الإلقاء، على الموسيقى المرتجلة الآتية بمناخها من مدينة غرناطة.

كانت تقول:

"السرير نعش له عجلات الخامسةَ مساءً.jjjjjjjjjjjjjsrtjythnthtrh555555555yhsts.JPG

مزامير عظام تقرع في إذنه الخامسةَ مساءً ..

في الخامسة مساءً .. آهٍ من الخامسة مساء الرهيبة ..

كانت الخامسة في كل الساعات

كانت الخامسة من ظلال في المساء".

وكنا في تلك الأمسية المدعومة من مؤسسة ناديا تويني، متحلّقين حول كأس من الشانغريا، نصغي الى هذا الثالوث: جان بوكجيان عازف الغيتار الذي نقر على أوتاره جراحاً قال لوركا عنها انها حارقة كالشموس، ونسرين عجيل ذات الإلقاء المشبع بموسيقى لوركا وحزنه الكبير ويأتينا صوت جرمان مونتيرو من البعيد مسجلاً، تراجيدياً، حاملاً مرثاة الأندلس في حنجرة خفيضة، ترتعش عند كلمة "مويرتي"! (موت).

"للأشياء أسرارها والشعر سرُّ كل شيء"، هكذا حدَّد غارسيا لوركا الشعر، بكلمات رقيقة قدّمت نسرين عجيل هذا الأندلسي الذي لم ينسلخ شعره عن أرض الفلامنكو. "حياته كلها انشدها كلمات تبكي وتذكِّر بريح حزينة بين أشجار الزيتون. لم يكن غارسيا لوركا شاعراً. كان الشعر كله".

إلقاؤها قصائده باللغة الفرنسية، حتى اذا أعادت مونتيرو الأبيات ذاتها بالإسبانية، تمازج الصوتان في رحابةِ كونيةِ لوركا، على أرجوحة أوتار الغيتار الناعمة، الرقراقة، ترشق الكلمات الحادة، الجارحة بقطرات ندى شافية. هي "الغيتار" القصيدة الاولى الملقاة بالفرنسية هنا، المغنّاة بنشيد الحزن هناك:

"وتبدأ دموع الغيتار/ وتتكسّر الأقداح/ عند الصباح الباكر لا جدوى من إيقافها/ تبكي/ رتيبة/ كما يبكي المطر/ كما تبكي الريح على الثلج". ...

وتنوح مونتيرو: "أيتها الغيتار/ القلب الجريح/ بخمس طعنات".

ويعود صوت عجيل صافياً، رقراقاً يعزّم الوجع ويدمله.

من مراحل حياته كلها قراءات من شعره. من حكايات الغجر ومدنهم وقفات على قارعات الدروب:

"أيا مدينةَ الغجر/ على قارعات الدروب/ أعلام من في استطاعته ان ينساك / مدينة الحزن المعطَّر بالمسْك بأبراجك من عيدان القِرفة".

قصة غجري هو لوركا .. كان الشعر الذي كتبه نشيداً مأتميّاً لإيناسيو سانشيز ميخياس شعره.

في الختام وكانت "الساعة الخامسة" مضت في عتمة الليل قالت نسرين عجيل: "بعدما استمعنا الى قصائد الموت لا يسعنا الا ان نتذكر موت لوركا ذاته. ففي 19 آب من العام 1936 واثر عودته من أميركا الى غرناطة مدينته، مشتاقاً اليها والى رفاقه، اعتقلته شرطة فرانكو وقتلته رمياً بالرّصاص. منذ ذلك اليوم وعندليب الأندلس يغني في الليالي التي لا حروب ولا ديكتاتوريات تستطيع إسكاته فيها".

النّهار