"فينيقيا" لألكسندر نجار : كيف نقرأ التاريخ بأسلوب روائي؟
"فينيقيا" لـ"ألكسندر نجار"
كيف نقرأ التاريخ بأسلوب روائي؟
مي منسى
كتاب يُقرأ بصوت عال حتى يصل صوت الراوي أبعد من صفحات كتاب، كصدى آت من الأزمنة البعيدة، حاملاً أصوات نساء ورجال، عقلاءَ وشعراء، جلادين وضحايا، أبطالاً وضعفاء، تعيد إلى وجه التاريخ العابس نطقه وإلى الدروس الإنسانية الغافية يقظتها.
كراوٍ في ساحة مدينة قديمة، نسمع ألكسندر نجار، يقصّ على عابري الزمن القديم والحديث، مصير أرض وشعوب تتعاقب ويبقى قدر جذورها واحداً. مؤرّخ في غلالة راوٍ، يؤنسن ألكسندر نجار التاريخ، يعطي فيه الكلام الى صانعيه، يكسوه بأحلامهم، برؤاهم، يلبسهم أزياء من ذاك الزمن، بيضاء للعرّافين، مزركشة بخيوط الذهب للطامعين، ترابية للفلاسفة، موشّاة بأزرق البحار للبحّارة. يشيد لتاريخ صور المدينة المقاومة حتى الموت إطاراً حياً، يلتقي فيه الماضي بالحاضر في هذه العقدة الزمنية التي إسمها "حرية". بمادة الحكاية المشوّقة يُخرج هذا الحكواتي، الماهر في بناء حوادث قصته، التاريخ المدفون تحت طبقات من الدهور، إلى الضوء، مومئاً به إلى الحاضر الذي يغدو يوماً بعد يوم تاريخاً، يعيد إلى الذاكرة مصائر أسلاف طبعت على جباههم كلمة حرية، وفي الأرض التي صلبوا على صلبانها تركوا لهذا التاريخ آثاراً من مقاومتهم الشجاعة، ولمدينتهم صور، رمز المدن التي آثرت الموت على العار.
من نبوءة حزقيال
قبل أن يعطي الراوي في مقدمة الكتاب، الكلام إلى الفيلسوف زينون الفينيقي الذي عاش حياة المنفى في أثينا، لا بد للقارئ من أن يتوقف عند الصفحة الفاصلة بين خريطة فينيقيا وبداية القصة، ويتمعّن في النبذة الصغيرة التي اختارها الكاتب من رؤيا النبي حزقيال، وأكثر منها، مراجعة الرؤيا بكاملها كما جاءت في الكتاب المقدس، وتنذر مدينة صور التي استخفّت بأورشليم، بالهلاك بعد الازدهار والموت بعد ثراء العيش. هذه النبذة المقتطعة من نبوءة طويلة هي لا شك الفانوس الذي على ضوئه يشق نجار حكايته، والرؤيا التي تدخل في خيوط السرد تسمع ولا ترى، صوتاً خفياً ممسكاً بمصائر شعب وأرضه.
إذا كان لصور في رؤى الأنبياء مصير أسود تستحقه، فلصور تاريخ جميل حاكه ألكسندر نجار بصيغة الحكايات على لسان أهلها، نسمعهم يتناقشون، يحلمون والبحر أمامهم يدعوهم إلى السفر والاكتشاف، نترقّب مخاوفهم من تهديدات الإسكندر، في حين يواصل قلم نجار رسم هذه الجدارية بألوان الأرجوان أولاً وبياض زبد البحر إلى لون فاحم حين تكفهر السماء ويحل المغتصب مكان الأمان، لتتم نبوءة حزقيال.
يدخلون إلى خشبة القصة، كل بمفرده، وكأن لكل واحد مهمة التعريف عن الآخر. فها هو أبولونيوس، إبن الأرض الفينيقية المنفي في أثينا منذ عامه الخامس عشر يقدم الى القارئ الفيلسوف زينون معلمه. والده مناسي الصيداوي الأصل كان يتعامل بالتجارة ويحمل إلى ابنه من أثينا كتب سقراط. في الثلاثين من عمره ركب البحر لينقل الأرجوان إلى بيريويس، مرفأ أثينا، هذا الصباغ النفيس المستخرج من صدفة الموريكس. اللافت أن ألكسندر نجار يروي الأشياء بحذافيرها حتى لا يغيب شيء عن سمع القارئ، وأظنه يكتب قصته للصغار، هؤلاء الشغوفين بالتاريخ المصوّر بالتفاصيل المشوّقة والألوان، يتعلّمون هذا التاريخ، يحفظونه كما قصص المغامرات، المليئة بالإثارة.
الإخلاص للوطن، والتفاني لأجله، لا في زمن النكبات فحسب بل في كل وقت. يروي أبولينيوس أن زينون كان فخوراً بفينيقيته، وعلى الرغم من تقدير الأثينيين خطبه ومؤلفاته، رفض أن يسمى مواطناً أثينياً وفاءً لفينيقيا الآباء، وفي المقابل تسلّم بكل رضا مفتاح المدينة.
زينون كان فيلسوفاً متزهدا، أعطى جوهر تعاليمه للفضيلة والأخلاق. كان حلمه إنقاذ العالم اليوناني من شكوكياته وقلقه. فلوضع حد لهذا الانحراف الأدبي، راح يعلّم الوجود من معيار صحيح. السعادة لا يعثر عليها سوى في التسليم للقدر الذي كان يعتبره آتياً من الإرادة الألهية.
إليسا رمز الأرض الفينيقية
زينون هو ابن إليسا، يحضّرنا لملاقاتها في هذا الكتاب، قائلاً إنها امرأة مثقفة، تعلّمت على علاّمة من صور. منها سمع ويلات حصار صور وهلاكها. هنا يرتأي قلم ألكسندر نجار أن تتواصل الحكاية في الفصول، موزعة بين ما ترويه إليسا وبين رؤية الأسكندر الكبير من هذا الحصار كما جاء في كتب المؤرخين. فلكي نفهم حرباً، يقول الكاتب، لا يكفي أننستمع إلى الضحايا بل علينا أن نسأل الجلاّدين.
فيما الجنين كان في أحشاء إليسا نابضاً موعوداً بالحياة، كانت صور تنازع نزاعها الأخير ومعها نهاية حضارة. تستمع إليسا إلى هذا الطبيب يقول لها: "لقد كنا من الطليعيين وسنغدو ذكرى مبهمة". وتسأله إليسا التي فقدت أهلها عما في استطاعته فعله بعد الآن، يجيب: "أن نموت ببسالة، يعني بجرع السم كما فعل سقراط، بدل العيش تحت نير الإسكندر".
ألكسندر نجار الشاهد عن كثب على حرب لبنان، والذي عاش فاجعة الموت والدمار والخطف والهجران، منذ نعومة سنه، استطاع أن يرى ما حدث أثناء حصار صور من خلال ما تكبده الوطن على مسافة زمنية تفوق الألفي سنة ونيف. من حرب لبنان تصوّر الفظائع التي اقترفها جنود الإسكندر بصور وأهلها. وبصوت إليسار حكى، هي الباقية وفي بطنها جنين يرفض الموت. بها تخاوى، وتآخى، ثم تركها تعبُر الأحياء والبيوت المدمَّرة لتعبّر عمّا في نفسه من أسى. كانت تقول وأرادها أن تقول إن الصوريين كانوا على رغم سقوط البلد يناضلون حتى آخر رمق.
بالحجارة حاربوا حين لم يعد بين أيديهم سلاح، بقبضاتهم، بأظفارهم، كالأسود.
وإذا كما سبق للكاتب أن عبّر، أنه لفهم حرب علينا أن نسأل الجلاد أيضاً، فها هو ألكسندر نجار يرسم بقلمه وجه الإسكندر حين وقف يتأمل صور أو ما بقي منها. رووا له مشاهد الذبح والاغتصاب. "رائحة الدم"، قال في سرّه وهو يأبى التنفس. لقد اعتاد هذه البشاعات وما عادت تؤثر فيه، فللحرب قوانينها، والرجال الذين مارسوها، هم في حاجة بعد انتهاء القتال الى أن يرووا حقدهم، ويعبروا عن ثأرهم، والانتقام بوحشية من الذين جابهوهم. لكن عندما قال له أحدهم: لقد أعطيناهم درساً كبيراً، أجابه الإسكندر: "بل هي صور التي أعطتنا الدرس".
إنها حكاية صور كما رواها زينون إلى تلميذه "حتىتحفظها وتتمكن من كتابتها للأجيال الآتية، تقديراً لهذا الشعب. فتحية لمقاومتهم،أطلقت مذهب الرواقية. ولأني لم أفهم إرادة الاسكندر السلطوية، بشّرت بالمساواةوالأخوة".
طالعوا جريدة النهار يوميّاً
يوميّة ، سياسيّة ، مستقلّة