"فلندفن الأحقاد والثأر" - سيرة رجل مناضل يدعى غسان تويني - ما لا يُكتَب إلاّ بحبر المعلّمين الكبار
"فلندفن الأحقاد والثأر"
سيرة رجل مناضل يدعى غسان تويني
ما لا يُكتَب إلاّ بحبر المعلّمين الكبار
مي منسّى
ثمة أشخاص يحفرون آثاراً أبدية فينا، تغدو مع الوقت ملازمة لفكرنا، لسبيل عيشنا، لضميرنا المهني، لثقافة حقيقية تفعل بقوّتها وحيويتها لا قشوراً برّاقة تحتها فراغ.
غسان تويني هو ذلك المعلّم الذي سعينا إليه لنتعلّم كيف يكون الإنسان السوي الحر، ولنحذو حذوه فنترقى بالإنسان الذي فينا، بالكلمة التي نختارها لنكتب، باللغة التي تسيّر لساننا.
غسان تويني هو ذلك المفكّر الذي طالما بنى حياته بانسجام بين نقيضين، عايشهما بتناغم وبعد ثقافي واسع: الفلسفة والدين. الفلسفة التي من خلالها وصل إلى السياسة، ومن الصحافة التي ورثها عن والده، ماكينة للنضال والتحديات، وجد نفسه في قلب الحياة السياسية. اليوم، في الصورة المتصدّرة غلاف الكتاب الصادر عن "دار ألبان ميشال" الفرنسية، بعنوان: "فلندفن الأحقاد والثأر"، صورته، نقرأ في خطوط جبينه، في تعابير وجهه المفلوحة عزماً وحزناً وحداداً، حكاية رجل دفن المآسي والجراح الثخينة في صدره وظل ذاك الشجاع، الجبار، كآلهة الأغريق، لا يقهر، الواقف على صخرة الوجود. هذا الوجه الذي ما مللتُ أحدّق اليه على غلاف كتابه، يلخّص ما في مضمونه. إنه الصفحة الأهم من صفحات الكتاب، ومنه نستهل قراءته. مرارة أم غضب؟ بل هي تعابير إنسان يكظم وجعه حتى لا يفترسه الوجع ويقضي على إيمانه.
القدر أعطى غسان تويني بسخاء، بقدر ما أخذ منه، واضعاً إياه أمام تجارب الحياة، يختبر قدراته على النضال والاحتمال. فهل خيّب غسان تويني إرادة القدر؟ أما وقف على ضريح إبنه جبران المغتال بأبشع الوسائل ليقول: "فلندفن الأحقاد والثأر"، وظلت كلمة عالقة في صدره، ربما تمتمها بينه وبين ذاته: "كفانا سفك دماء"؟
هذا الواقع الوجودي في كتاب غسان تويني، المستهل فصوله بـ"سيدة الحوار والغفران"، تلك التحفة الفنية التي اكتشفها في قطر، أثناء تدشين متحف الفن الإسلامي، المخصّص لحوار الثقافات، أمّ يسوع، حول هالتها وعلى مشلحها كتابات قرآنية، هذا الواقع، له صدى أجراس الكنائس حين تزفّ حواراً كهذا أو تنعى جهلاً وغباءً وقتلاً وموتا..
ما كنا نعرفه عن الرجل الذي أعطانا قطعة من محيطه نرصّع بها أعمدة مقالاتنا، نحطّ فيها خيالنا وأحلامنا وينبوع حبرنا، نقرأ في هذا الكتاب أضعافاً منه. فما صمت عنه لئلا يرشح الوجع عالياً، ما لم يقله حتى يخفي داخل قلعة صدره ملحمة الموت والفراق، وذلك السؤال الجوّاني: لماذا ذلك كلّه؟، أعطاني كتابه هذا لأدرك أحزانه أعمق، ونضاله أعلى، وشجاعته أمد وأوسع. لأرى خصوصاً ما لم أره من قبل في المحن الكبرى، تلك الدمعة التي باتت تكرج على الخدّ بلا حواجز، يتلقّفها بمحرمته، معتذراً منها.
ما مضمون هذا الكتاب؟
إنه سيرة رجل نضال وعلم وثقافة، كما السجون التي اعتقل فيها واختباره قاووشها الذي رافقه كل حياته.
"كنت دوما داخل السجن وخارجه". أول اختبار له كان عام 1949، السنة التي ترك فيها هارفرد وحلم الفيلسوف في أن يكون أستاذاً بهذه المادة لو لم يترك له والده جبران تويني الوصية. "النهار" كانت في انتظاره، فلم يتردد. في ذلك العام حكم على رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي أنطون سعادة بالأعدام، فـ"انتفضتُ في افتتاحيتي على العدالة العسكرية وحكمها على سعادة الذي لا مبرر له. ولأني ذو صبغة قديمة في الحزب، اقتدت بدوري إلى المحكمة العسكرية ثم وضعت في زنزانة مع سبعين سجيناً سواي من بينهم رفاق لي، أما المحكومون بالموت فأودعوا زنزانات إفرادية".
يروي غسان تويني من فصل إلى آخر حياته السياسية والعقائدية والصحافية والعائلية، بأسلوب سلس، كمن يروي حكاية للأحفاد، حتى تبقى باقة متكاملة في آذانهم، من الورد إلى القراص، من العطر الطيب إلى الأشواك الموجعة.
هل تختصر حياة هذا العملاق في كتاب، بالعناوين التي تنقل القارئ من السياسة إلى قصة حب مع "ناديا" وزواج بين شاب مسيحي وفتاة درزية، ترك انفصاماً بين العائلتين، ولا سيما الجدة التي كانت ناديا تقدرها وتحبها، فكانت أول من أعلن هذا الرفض ولم تأت لتهنئة حفيدتها بزواجها من الرجل الذي تحب؟
الأيام السعيدة قصيرة. أول ما امتدت يد القدر الى "نايلة" الصغيرة، الشقراء، الذكية، الجميلة، فاختطفتها من والديها. ولم يشبع هذا القدر، إذ كانت ضحيته الثانية الشاعرة التي ألبست لبنان بقصائدها حلّة التاريخ المزركشة بالأوصاف، ناديا التي أفرغت المنزل بغيابها، وإذا بـ"مكرم" الإبن يتبعها على هذه الدرب التي لا يزال غسان تويني وبعد فراقه عن جبران، يسأل: "إلى أين يا ترى كلهم ذاهبون؟".
لا شك أن الإيمان هو التميمة التي علّمت غسان تويني الصبر. تربّى على أب ماسوني وتعمّق في فكر هايدغر وأفلاطون وتشبّع من وجودية شارل مالك التي نبهته الى الذكاء والفلسفة، ولعبت دوراً مهمّاً في تعمقه بدراسته "السلام الدائم". هو دوماً تحوطه الأيقونات الثمينة، الحاملة في ثنايا ملابسها رائحة البخور، إلى جانب صور الراحلين من بيته، والتي أصبحت مع الوقت أيقونات كأنها ترشح زيتاً وبخورا.
ماذا يقول غسان تويني في كتابه عن الإيمان؟
"جئت إلى الإيمان من طريقين مختلفين. عبر الفلسفة التي درستها في هارفرد وقد حددها أرسطو بأنها البحث عن الأسباب الأولى والمبادئ الأولى. أما إدراك السبب الأول فيقوم على إطلاق الفكر الفلسفي لا ليجعل منك إنسانَ إيمانٍ لكنه ليقولب فيك حالات مؤاتية. بصفتي طالب فلسفة كنت بثقافتي مقتنعاً بوجود الله ولم يكن آنذاك قد حان الوقت لأجمع الأيقونات".
جبران تويني الماسوني لم يعمّد أولاده عند ولادتهم، بل ترك لهم حرّية اختيار الدين الذي يريدون. هي الأم التقية المؤمنة التي انتفضت على عقلية الزوج وأخذت أبناءها الثلاثة إلى جرن العماد.
أما إيمانه الحقيقي فولد يوم رأى والدته تصلي في كنيسة سيدة صيدنايا في سوريا، هذا المقام الذي كان مشهوراً باقتنائه أيقونة "سيدة الشاغورة"، تلك التي رسمها القديس لوقا الإنجيلي. رآها في ذلك اليوم منخطفة في الأيقونة تصلي ودموعها على وجنتيها.
يذكر غسان تويني في هذا الفصل بأن سوريا كانت حتى غزو المماليك، أرضاً مسيحية وأرض تسامح. ويذكر التاريخ أن اللاهوتي يوحنا الدمشقي كان وزير المال لدى الأمويين.
من بعض عناوين الكتاب: "نائب في الرابعة والعشرين"، "ناديا تويني"، "مستقبل الشرق الأدنى"، "مسيحيو الشرق"، "دعوا شعبي يعيش"، "الله واحد في منازل عديدة"، والختام "أناي الأخرى"، هذا الفصل يتكلّم فيه هذا "المسالم الحربجي" عن أحلامه، وسؤال كبير يطرحه على ذاته: "هل عليّ أن أدافع عن رجل المفارقات، أنا؟" ويتابع: "ليس للمصادفة مكان في أن أكون ولدت في بلد هو في نظر العالم نقيض في حد ذاته. فلعل ذلك هو ما أفعم حياتي وأفعالي وكتاباتي بهذا النقيض في هذه الحياة المشتركة".
لعلّه حلم بأن يتسلم ذات يوم زمام السلطة لولا مذهبه الأرثوذكسي. علاقته مع الحكم كانت دوما ملتبسة: "في تاريخ البرلمان اللبناني، كنت الوزير الوحيد استقال من منصبه مرّتين. لماذا؟ ربما لأني أنتمي إلى جيل الثلاثينات والأربعينات الطامح إلى تغيير العالم. هذه الراديكالية التي تسكن فيَّ جعلت البعض يقتنعون بأني لو أتيت إلى تغيير الوطن لفعلت ذلك بجنوني. ولِمَ لا؟".
من هذا السبيل يعود إلى بيت في قصيدة لناديا لطالما ردده: "هل ولدت من كذبة في وطن لا وجود له؟".
أحب غسان تويني الشعر، ولا يزال، وأسس داراً لنشر أعمال الشعراء أمثال ناديا توني وجورج شحادة، وشكري غانم وفؤاد أبي زيد. أحب المسرح ونشر لجورج شحادة كامل أعماله المسرحية. صدق من قال يوما إن غسان تويني شاعر سياسي أكثر منه كاتباً سياسياً.
الرسائل الصغيرة التي كنت أتلقّاها منه بعد أن يكون قرأ تعليقاً مني على مسرحية أو كتاب أو حفلة أوبرا وكلّها ثناء وتشجيع، هذه الرسائل التي أحتفظ بها حين تراودني الشكوك بنفسي، هي كماء العماد في جرن المعمودية، حتى بتُّ حين أكتب وكأني أكتب لأنسان واحد: هو.
اليوم، وأنا أمجُّ كل كلمة من كتابه الصادر عن "دار ألبان ميشال الفرنسية"، وأعيد قراءتها مرّات لأبلغ جوهرها، ألمح في هذه السيرة الشفافة كمياه الينابيع فكرَ هذا الرجل الاستثنائي، الذي مشى على درب واحدة بين الفلسفة والدين، بين الثقافة والسياسة حتى غدا هذا المحيط الذي إسمه غسان تويني.
هذا البركان المشتعل بلا توقف في كيانه، في كتاباته، في تلك الصرخة الداخلية، المخطوطة بحبر أسود حين الكلام عن "حرب للآخرين" أو واقفاً من على منبر الأمم المتحدة، صارخاً "دعوا شعبي يعيش"، أو متأسفاً على قرن مضى هدراً في كتابه "قرن لا لشيء"، هذا البركان كم وكم جرف بحممه الحارقة انتهاك الحريات، سوى في ذلك اليوم الذي قال فيه والحسرة تدمي قلبه، فوق نعش ولده جبران: "فلندفن الحقد والثأر".
غسان تويني المعلّم، المفكر الثائر على مخلفات العهود القديمة والجديدة، ساوى بين مفارقات الوجود وعايشها بتناغم الإنسان السويّ. هو المؤمن المحاط بالأيقونات وصور العائلة التي غدت أيقونات يصلّي أمامها ليجلو قلبه من كربة الوطن وليلقي عليها هموم القلب علّها تمدّه بالقوّة اللازمة لمواصلة دربه بعدما سلخه القدر عن أفراد عائلته، واحداً تلو آخر، مجرّبا إياه، مختبراً صبره وإيمانه، هذا القدر الذي يفتك عادة بالأقوياء ليختبر صمودهم. ولقد صمد الرجل الكبير، إلاّ القلب الذي خان كبرياء الرجل، فبكى سرّاً، وتفتَّت لوعةً، لكنْ بصمت وكرامة.
اليوم، وأنا في زيارة له حاملةً إليه روايتي الأخيرة، كان مستلقياً على كنبته المريحة، يشكو من سعال وصداع، ولا يشكو عالياً، وحوله هذه الأيقونة التي خرجت من إطارها لتمسح جبينه المندّى وتسهر على عافيته، شاديا، رفيقة حياته، المشعة بالحب لرجلها، الكاشحة رائحة المرض من حوله ليرى الحياة بتفاؤلها. هكذا هي هذه المرأة التي ربما أرسلتها إليه ناديا حتى لا يبقى وحيداً، ملازمةً لكينونته ليلاً ونهاراً، تفرد التفاؤل من وجهها الصبوح وتبقى كلمة أخيرة قالها في كتابه: "أشكر شاديا زوجتي ورفيقتي لأنها قبلت أن تقيم في بيت مري المنزل المسكون بحضور ناديا والأولاد. قبلت أن تعيش بين هذه الذكريات والصور وذكرياتي مع المرأة التي أحببت. شاديا قوية وأعرف أن الحب يحتاج إلى قوة".