كمثل نار الأيقونات

جمانة حدَّاد قرأها 551
  

كمثل نار الأيقونات

جمانة حداد

دائماً يتلألأ كالجوهرة المشتعلة. فإذا حدث أنه لسبب عابر من الأسباب، لا يشتعل ذهناً وفكراً من على منابر المؤتمرات وجلسات الحوار، حيث يضيء الطريق المدلهم الى الإلفة والعقل والحكمة والرأي السديد، فهو يكون يشتعل في الأوراق، بين الكلمات، حيث مكانه الأثير، وحيث وطنه الحقيقي، الى جانب وطنه الباقي: الحرية.

GhassanTweini01.JPG

فليس من شيم هذا الرجل أن يحطّ الرحال، أو أن يهدأ ويطمئن. فهو كالمرجل حرارةً ودفئاً وتوثّباً وخلقاً. بل كالمرجل، وقد صار طعامه ناضجاً ببعد النظر. وإذا تراءى لبعضنا، من طريق الالتباس الخاطئ، أن الرجل يحطّ الرحال، وأنه يهدأ ويطمئن، فإنما كمن يغمض عيناً ليترك الثانية ساهرةً متيقظةً متأهبةً واعيةً وثاقبة، فلا يأتي سارقٌ ويجده نائماً.

لا أعرف رجلاً برغبات غسّان تويني الماضية والحاضرة والمستقبلية. فرغبات الخلق والخروج من الشرنقة والتجدد، الملهمة والذكية، هي دائماً عنده، سببٌ جوهري لكسر ما يُعتقد أنه جدار مسدود. يكفي هذا الرجل أن يرغب، لكي يصبح ما يرغبه فعلاً متحققاً، على أحسن ما يكون التحقق المنجز.

كما لا أعرف رجلاً بنشاط غسان تويني. أقصد النشاط العبقري تحديداً. وإذا كان الرجل – القامة التاريخية يفاجئنا اليوم، بجديده المدهش - سيرته الذاتية، الأحرى أن أقول: بعض هذه السيرة، فلأنه الأكثر شباباً بيننا، بالعقل والقلب معاً. وما أكرمه في هذين الإثنين اللدودين، اللذين يجتمعان لديه، كما لا يجتمعان عند أحد من المفكرين المعلّمين الأساتذة. وهما عنده شقيقان توأمان، فلا يؤتى للعين، ولا للبصيرة، أن تفرّقا بينهما شكلاً ومضموناً، حتى ليصيرا، ويا للعجب، عقل القلب، أو قلب العقل. وفي الحالين، هما عنده ذروة الاستذكار والخلق والتوقد والنباهة والاعتراف والحبّ.

وكم أراه عاطفياً في هذا الكتاب. وهو دائماً عاطفي، وإن لم يفصح. شأن العواطف الكبرى التي تستولي على العيون بنظرة خاطفة، وقد لا تُرى النظرة هذه إلاّ بالمناجاة.

ناره مشتعلة، غسان تويني، لكنها لا تؤذي. كالنيران التراجيدية التي تضطرم على مقربة من الأيقونات. وهي إذّاك تكون حارقة لتهدي الى سواء السبيل.