إلا إذا.. ستة أسباب
إلا إذا..
ستة أسباب
جمانة حداد
أن يصدر للصديق الشاعر والمترجم الرصين والدؤوب سامر أبو هواش خمسة عشر كتاباً هي مختارات مترجمة لخمسة عشر شاعراً أميركياً (منشورات "دار الجمل"، "كلمة")، لَعملٌ يستحق الثناء والتحية.
أولاً، لفعل الترجمة نفسه، الذي لا يزال شرطاً لازماً وملحّاً من شروط التلاقح الإنساني والأدبي، وخصوصاً في منطقتنا العربية، وبين قرّائنا العرب، حيث تعاني قراءة الشعر في اللغة العربية ما تعانيه من ضحالة وإهمال وعدم اكتراث، فكيف إذا كان هذا الشعر مقيماً في اللغات الأخرى.
ثانياً، لخصوصية هذه الترجمات، إذ تجمع بين المعرفة من جهة، والأمانة للنصوص الأولى المكتوبة بالإنكليزية، من جهة ثانية، وبين براعة استدراج هذه النصوص الى اللغة العربية، من جهة ثالثة، بما يستلزمه ذلك من إلمام باللغتين، ومن خلق وطواعية. حتى لكأنها مكتوبة بلغتنا من فرط سلاستها والبساطة، تعبيراً وتركيباً.
ثالثا، لأن هذا المنجز يقع في صلب مفهوم بيروت عاصمةً عالمية للكتاب، ومختبراً للحوار الإنساني والأدبي بين اللغات والثقافات. فبيروت هذه، تحتاج، أكثر من أيّ وقتٍ مضى، الى مثل هذا الاختبار الديناميكي الذي يساهم في انتشالها من شرنقتها الراهنة، القاتلة والمهينة، والتي أوقعتنا فيها الغرائز والهمجيات والحروب والظلاميات والأميّات، على اختلاف أصحابها وأسمائها وأنواعها. فبيروت تصير بيروتنا الحقيقية والفعلية، عندما "نحرّرها" لا من هذه الجهة أو تلك فحسب، وإنما عندما، خصوصاً، نجعلها، كلّ مرة، كلّ يوم، أمينةً لدورها التاريخي المتواصل، في كونها منارةً للكينونة الثقافية وللتفاعل بين الشعوب والحضارات، وأمّاً للكتاب، وزوجةً له، وعشيقة، وطفلة، وداراً وسيعة لا حدود لجغرافيتها وآفاقها وأسئلتها.
رابعاً، لأن فعل الترجمة مطلقاً، هو، عندي، حاجة روحية، ويلقى لديَّ شخصياً صدىً عميقاً يتردّد في أنحاء كياني، بحيث أشعر أني معنية بهذا الفعل، ومتورطة فيه، الى الحدّ الوجوديّ نفسه. فأنا منذ بدأتُ العمل الأدبي، وجدتُني أجمع بين كتابة الشعر وترجمته، بالتوازي، وبدون مفاضلة، كولدَين يحتلاّن المقام نفسه عند والدتهما. فعندي أن الترجمة عملٌ خلاّق، كالحياة بالذات، وكمثل كتابة الشعر أو الرواية، ولا يقلّ منزلةً وأهميةً عن الصناعة الأدبية ذاتها. فكيف إذا كان يسدّ نقصاً مريباً، في المكتبة العربية المترجمة، التي لا تزال تحبو، على رغم كل الجهود والمبادرات الفردية والمؤسسية، هنا وهناك.
خامساً، لأن القارئ لا بدّ أن يتعرّف بواسطة هذا المنجز الأدبي، المهدى الينا دفعةً واحدة، الى جوانب من الشعر، قد تكون مختلفة عن جزء كبير من تجاربنا الشعرية العربية، فضلاً عن كونه يقدّم مقاربات واختبارات شعرية لا بدّ أن تساهم في توسيع مفاهيمنا النظرية والثقافية حول "تحديد" الشعر، فتجعلها أكثر تنوّعاً ورحابةً وتقبّلاً.
سادساً، لأن لا بدّ من الترجمة، كشرطٍ لوجود الآخر الذي فينا.