شاعر... وساحرة
قالت: (هل تعرفه، انني لا أستطيع أن أنسى كيف كنت أجلس الى جانبه واسترق السمع الى شِعره، وكيف كان يعلمني أن أصغي معه الى أغاني أم كلثوم لأردد على مسامعه قصائدها؟.) اذاً كان الشاعر شحادة عبد الله اليازجي يحب أم كلثوم ويتمتع بكلماتها وألحانها الشجية وصوتها المخملي الذي يشبه الأجراس المنعتقة من الحبال التي تكبلها، كلمات قليلة سمعتها من محدثتي فانهار الجدار الذي كان يحجبني عن ذلك الشاعر, ربما بسبب السحر الذي تملكه، والذي يستطيع أن يأتي على أعتى الجدر، فدخلت كلماتها الى قلبي، لتصيبه بمرض الاعجاب بهذا الشاعر، كنت أعرفه عن بعد بقامته الطويلة وبشاربيه العثمانيين وبشروده وهو يتسكع على طرقات مرمريتا التي تلقى تعليمه الابتدائي والاعدادي فيها، قبل أن يتابع دراسته في الأدب العربي ويتمكن من اللغة الفرنسية، ثم ليعمل كمترجم ومدرس وينظم بدائع الشعر، شروده ذاك كان يجعله لايراك ولا يسمعك، حتى وأنت تلقي التحية عليه، فهو بغنى عنها، لأنه يعيش عالمه الخيالي الشعري الواسع، التفتُّ اليه مرة بعد أن عبرني وهو في حالة ذهول، التفتُّ اليه وتأملته من الخلف، فشاهدْته وقد وقف فجأة وأخرج شيئا من جيبه لاشك انه القلم صديقه في التسكع، وأسرع وتناول من جيبه الأخرى ورقة، وكتب عليها شيئا ما، وتخيلت أنني سمعته يقول وجدتها! ظننت أنه كان يبحث في ثنايا عقله وقلبه وروحه عن كلمة أو فكرة, وعندما وجدها خاف أن يغيِّبها سلطان النسيان، ويخطفها منه، فعاجل وثبتها على ورقة جاهزة في جيبه، وقيدها بسلاسل من حبر، لا شك انه كان يبحث عن تلك الكلمة التي لايصلح سواها ليملأ فراغا في صدر أو عجز، في وزن أو قافية، في عنوان أو خاتمة، كان يبحث وهو يمر بقربي عن تلك الكلمة الرقيقة العذبة أو تلك الفكرة المجلجلة، التي بدونها لايستقيم ابداع ولا يكون جمال، كان يبحث عنها في قاموس رأسه، وكانت عيونه ترى وأذناه تسمعان ما يتصفحه عقله، في مخزونه الثقافي، مِنْ كتب قرأها ومن طبيعة تمتع بها، أو نوتات موسيقية سمعها، لم تكن عيونه ترى العابرين من حوله ولا الجالسين على حوافي الطرق كعادة أهل القرية منذ بضعة عقود، ولا أذناه تسمعان أصوات البائعين المتجولين في الحارات، فقط كانتا مفتوحتين على الحلم، حلم القصيدة التي كان قد كتبها ولم تكتمل بعد، لم يكن يشاهد الا الكلمات الصور، تتدحرج أمام عينيه، ويسمع موسيقاها، وعندما تمر الأحلى أو الأنسب، يضغط على زناد كمرته ويصرخ وجدتها ، وتتسمر قدماه، ويدونها ويحفظها في مكان آمن قريب من القلب، حيث يحفظ الشعراء الكنوز بعد خروجها من مخابىء الذكرى، كرَّرَتْ سؤالها: (هل تعرفه؟) أعرفه... ليس كثيرا... من بعيد... من السمع...، وتذكرتُ أنني قرأت له منذ عقود ديوانه (خلجات) ولم أكن شديد الاعجاب، ليس به تحديدا وانما بشعراء التفعيلة والوزن والقافية عموما، لأنني كنت أرى هذا النوع من الأدب يخدم المناسبات الخطابية لعَلِّية القوم، وتذكرت كيف أن صورته الأولى في الطريق وهو في حالة الذهول تلك، جعلتني لا أميز ان كان هذا الرجل سويا أم لا، حتى عرفت أنه مسكون بشيطان الشعر، وبعدها كان لي نصيب في الاطلاع على ديوانه (القطرات) وقد كتب مقدمته العلامة اللغوي ابراهيم المنذر ومنها أقتبس: (...هذه كلمة وجيزة لهذه التحفة الغالية، لأن حبيبنا الأستاذ شحادة اليازجي أجاد وأفاد، فيما فعل ونقل وأبدع، في ضبط اللغة وتصوير أفكار شعراء الغرب، على الوجه الذي يراه القارىء الكريم فيعود- بعد قراءتها– ثملا مسرورا، ويدوِّن له مثلي كلمة شكر وثناء واعجاب).
أفلا يستحق هذا الشاعر اعجابنا، وقد دعا الى فهم هذا الكون بدلا من أن نعيشه كمعتقل: آه لو أستطيع أن أُبقيَ في الأرض جسمي، وبروحي أرتحلْ لأرى ما فيه حلمتُ بدنيا غير هذا المعتقلْ والى اغتنام فترة الشباب القصيرة كعمر الزهور، في الحب المتمرد: أصيخي يا فتاة وصدقيني قبيل فوات فترات الأوان قريبا تهرمين ولا شباب وتسلبك الجمالَ يدُ الزمان كما دعا الى الحياة، والى ترك الموت لمن يستحقه أو لمن يشتهيه: ويك عني يا موت، بالله دعني لم أنل من منى الحياة مرادي زرْ قلوبا بالعار والخوف واليأس أصيبتْ، تدعوك، خذ من ينادي وفي ترجمته الشعرية لقصيدة (البحيرة) للشاعر الفرنسي لامارتين، وقد كتبها في حبيبته، التي صادفها عندما كان في رحلة علاج وهو في السادسة والعشرين من العمر، ولمح وهو يتمشى على شاطىء بحيرة (بورجيه) امرأة تدعى (جوليا) في الثانية والثلاثين من العمر، وهي تحاول أن تضع حدا لحياتها، بعد أن أتعبها المرض، وبدأ اليأس يتسلل الى نفسها، في تلك اللحظة التي شارفت فيها على الغرق، امتدت يد لامارتين المنقذة، فتعلقت بمنقذها وأحبته، وعندما كان يتنزه واياها على ضفاف البحيرة، اتفقا على أن يكون حبهما روحيا ساميا عن الرغبات الجسدية، ثم غادرها، واتفق معها على اللقاء في العام القادم، وطلبت منه ان هي ماتت قبل أن تراه، أن يرثيها بقصيدة من قصائده، وهذا ماحصل، لقد ماتت قبل أن يراها في العام التالي بسبب المرض، فأوفى بطلبها ورثاها بهذه القصيدة، وترجمها شاعرنا شعرا ومطلعها: مراحل الدهر تطوينا لياليها ولامفر فآتيها كماضيها في لجة العمر نلقى للمسير، ألا نلقي المراسي يوما في موانيها والقصيدة الملحمة تحمل من الرومانسية والحنين، أريج ذلك الحب الأبدي الذي يظل يتجلى في ترداد الرياح: بلى (كانا حبيبين)، لقد كان سحر محدثتي والدموع التي استجرتها ذكرياتها مع الشاعر، قوة الفعل التي أتت على الجدار بيننا فزلزلته، وجعلتني أرى شاربيه العثمانيين من الفولكلور الجميل، ونظمه للشعر من الماضي الأصيل، الذي يتجدد مع الحداثة، وكيف لا وهو القائل وربما في محدثتي الساحرة العينين :
عيناك
يا سبحان من سواهما سحرا
تصح به القلوب
وتسقمُ
من لم يذق طعم الهوى
قد فاته
كيف اللحاظ.. اذا رنت
تتكلمُ.