المسرح .. نصوص وعمارات
تناولتُ في هذه الزاوية قبل فترة وجيزة، ما يمكن تسميته بالنفقالمظلم الذي دخلتْ فيه مسيرةُ المسرح في بلدنا، وبينتُ بعض الأسباب، لا كلها.. ولمأطالب بحلول إسعافية، تكتيكية، بل بحلٍّ استراتيجيّ، يتناول جذور المشكلة.. ثم يضعخططاً علمية عملية ناجعة لحلها..
وأعودهنا، للموضوع ذاته، ولكن من وجهة نظر أخرى، وأتناول آراء مؤلف مسرحي عربي مهم هوألفريد فرج.. وقد اختير الرجل ذات يوم كواحد من أفضل ستة كتاب مسرح معاصرين علىمستوى العالم.. وتم تكريمه على هذا الأساس عام 1999 في جامعة مدريد، بمبادرة منوزارة الثقافة، ووزارة التعليم العالي في إسبانيا.. واعتُبر هذا التكريم اعترافاًعالمياً بالمسرح العربي كنص.
ولعلنا نذكر أن لألفريد فرج العديد من النصوص المسرحية التي ترتكزإلى التراث، كما هي الحال في مسرحيتين معروفتين جيداً لجمهورنا، هما: "علي جناحالتبريزي" و "حلاق بغداد".. ويرى فرج أن الاتكاء على التراث والحكاية الشعبية، ليسهروباً من الواقع.. ما دام التراث يشكل إطاراً لتناول قضايا معاصرة.. وهو ليسهروباً من الرقابة.. فالمقولة السياسية واضحة، وبعيدة عن الإبهام.. وهذا ضروري كييفهمها رجل الشارع البسيط... وبدهي أن الرقيب سيكون قد فهمها أيضاً!..
ومعروف أن ألفريد فرج كتب مسرحياته بلغة عربية فصحى، وذلك لأنه مؤمنأن الظاهرة المسرحية العربية واحدة.. مع رفض التقسيمات القطرية الضيقة، كالقولبمسرح مصري، أو سوري، أو تونسي...
وينفيفرج وجود أزمة نص مسرحي عربي.. فهناك، على الأقل، ستمئة مسرحية ذات مستوى ممتازمكتوبة باللغة العربية... وفي فرنسا، أو بريطانيا، على سبيل المثال، نجد ثلثيالمسرحيات التي تُعْرَض مؤلفة منذ سنين طويلة.. بل إن (الكوميدي فرانسيز) يعرض مسرحياتكُتِبتْ منذ زمن الإغريق... والتفاخر بأن مصر تنتج (كتابة) خمسين نصاً مسرحياً، فهذالا يعني شيئاً.. والأمر ليس أمراً كمياً.. ففي اللغة الإنكليزية، بجميع كتابها، وهممن عدة دول، لم يكتبوا أكثر من مئة نص في قرن كامل!..
ويرىالكاتب المسرحي فرج أن عدد المسارح في البلاد العربية قليل جداً.. بل نحن بلاد فقيرةجداً في المعمار المسرحي.. ناهيك عن التخلف التكنولوجي.. وستائر مسارحنا لا تزالتفتح، وتسدل من خلال الحبل اليدوي!... ومنذ النصف الثاني من القرن الماضي تحولالمسرح في العالم كله إلى منتزه يضم حدائق، ومطاعم، ومقاهي، وصالات عرض فنونتشكيلية، وقاعات للموسيقا.. بحيث تحول المكان إلى منـتـزه عائلي، يمكن ارتياده .. وليس بالضرورة لحضور مسرحية وحسب..
وقدرأيت، أنا، العبد الفقير، الموقع أعلاه، شئياً مما ذكره ألفريد فرج، عن مثل هذهالصُّروح الثقافية الجامعة المانعة.. وخاصة في قصر الثقافة بصوفيا، عاصمة بلغاريا .. وكانت لودميلا جيفكوفا، ابنة زعيم بلغاريا آنذاك، المبادِرة لبناء القصر، وقد قضتْ نحبها في وقت مبْكِرٍ من العمر بسبب مرض عضال...
وإذكنا ثلةً من المثقفين السوريين نحتسي القهوة في مقهى يحتلُّ إحدى شرفات القصر، نبَّهني مُضيفي.. والتفت.. ورأيت جيفكوف يحتسي الشاي خلفنا.. وقد رفع فنجانه وحيّاني، كصديق،كنت في زيارته قبل يوم!..