الحصان والعربة

وليد معماري قرأها 6
  

الحصان والعربة

وليد معماري

قالأحد النقاد معقباً على أمسية لعدد من القاصين: "إن القصة القصيرة ليست حدثاً، ولا أحداثاً.. وإلا لكان أيٌّ ممّن يتقنون القراءة والكتابة، كاتبَ قصة يروي أحداثاً جرتمعه".. واستشهد الناقد برواية "الإخوة كرامازوف" لدستويفسكي (!) فهي حسب رأيه ليستسرداً لأحداث.. بل بناء نفسي لشخصيات!..‏

ومنأسفٍ أن الناقد غادر المنصة، والقاعة قبل أن يستمع إلى مداخلات الحضور..‏

ورددتعليه في غيابه، (وهذه ليست استغابة) لأنها تدخل في مجال الرأي والرأي الآخر... وقلت إن كلام (الدكتور) يشبه وضع الحصان خلف العربة.. ودستويفسكي، أو سواه من أساطينالسرد، كتبوا حكاية، أو رواية مكتظة بالأحداث المشوقة.. كي تصبح هذه الأحداث هيالحامل للرسالة الفلسفية، أو السيكولوجية، التي تقبع في أعماق ثقافتهم، والحامل هوالأساس، وأما المحمول فقد يختلف المتلقون (من قراء، أو نقاد) في تفسير كنهه..

والأمثلة لدي كثيرة، ومثالي الأوضح هو رواية (موبي ديك) لهيرمانميلفيل، التي صدرت عام 1904، بعد رحيل صاحبها بسنوات، واعتبرت إنجيل الرواية فيالقرن العشرين، ليست أكثر من مغامرة بحارة لصيد حوت أزرق... وتلقاها القراء علىأنها دراما مشوقة.. ثم جاء تحليل النقاد لها، ليكتشفوا الرموز المختبئة فيها.. وكونالرواية إعادة صياغة لأسطورة الخلق!.. وهذا ما كرره نجيب محفوظ في (أولاد حارتنا)حيث الحكايات تتوالد من حكايات.. وهذا ما يمتع القارئ، فيما اكتشف دهاقنة الظلام،رسالة مخفية (بخبث) خلف الحكايات، ربما لم تكن مقصودة لذاتها من قبل محفوظ..

ومنالأمثلة الشائعة أن الروائي الفرنسي أنوريه دي بلزاك كان رجعياً متزمّتاً في انتمائهالسياسي، لكنه كتب أدباً تقدمياً أو على الأقل سيطرت على الأحداث التي سردها فيرواياته، روح الموضوعية.. بالأحرى، كان مخلصاً لفنه، ورؤيته للواقع من حوله.. أيأنه كتب خارج هيمنة الأدلجة.. وهذا يعني أنه رأى وقائع الحياة، ومجريات ما يحدث منحوله أولاً.. أي أنه وضع الحصان أمام العربة.. وليس العكس..‏

مندون حدث مقنع، ومبتكر.. من حكاية وحبكة جيدة، وأسلوب رشيق، وقراءة معمقة للواقع، لا يمكن إنتاج رواية أو قصة تصل من مُرسل، إلى مرسل إليه... فالحياة خضراء.. أماالنظرية، فرمادية دائماً!..