المسرح بين بابين..

وليد معماري قرأها 4
 

المسرح بين بابين..

وليد معماري

أولعلاقة لي بالمسرح كانت حين صرت ممثلاً فيه... ويومذاك أقامت الإعدادية التي كنتطالباً في آخر صفوفها حفل وداع لمنتسبيها الذين سينجحون في نهاية المرحلة.. ويغادرون سفينتهم لآخر مرة.. وأما الراسبون فلن يحتاجوا إلى وداع..‏

وحسبما تسعفني به الذاكرة، كانت المسرحية مقتبسة من مسرحية مصرية بطلها (كشكش بيه) وأظن، ولا أجزم، أن مؤدي الدور الأول فيها هو المسرحي الكوميدي الراحل نجيبالريحاني... وأما دوري في المسرحية، فكان دور خادم سنغالي، يتحدث بلهجة عربية مكسرةأمام (كشكش بيه)، بحيث يؤدي سوء التفاهم بينهما إلى مفارقات لغوية مضحكة...‏

وأماأمي التي حضرت عرض المسرحية، فقد عاتبتني، لأني، بعد أيام كثيرة من التدريب، لمأمثل في المسرحية.. وقلت لها: يا أمي.. أنا مثلت في المسرحية.. لكنهم طلوا وجهيبالسخام الأسود.. ولهذا لم تعرفيني!.‏

وفيمابعد تعرفت، كمتفرج، على مسرح ساذج يقدم على خشبة الثانوية.. له شكلان لا ثالث لهما، إما تاريخ مقتبس من كتب التاريخ المدرسية.. كخطبة طارق بن زياد العصماء وهو يقفبسفنه أمام شواطئ أوروبا، ويصرخ بجنوده بعد أن أحرق السفن: "العدو أمامكم.. والبحرمن خلفكم.. وما لكم والله إلا الصبر".. دون تبصر ولا مراعاة لمنطق التاريخ، حيث كانطارق بن زياد بربرياً (وهذه ليست صفة ذم بحقه).. وكان لا يتقن الخطابة بالعربية!..‏

.. وصلت إلى العاصمة كطالب جامعي بعد سنوات.. وكانت جرثومة المسرح ما تزال تحت جلدي.. وفي تلك الفترة أُعلن عن افتتاح مسرح القباني.. وعن تقديم أولى المسرحيات على خشبته.. وذهبت لأحضر العرض، فوجدت باب المسرح، المطل على شارع 29 أيار، ذي الحديد المشبك مقفلاً!... وتكرر الأمر في المسرحية التالية... إلى أن اكتشفت أن للمسرحباباً جانبياً آخر، تأخرت فطنتي عن اكتشافه!.. ومن الباب الجانبي سألج لأحضر بعدسنوات المسرحية التي أعدها الصديق الراحل سعد الله ونوس عن مسرحية لبيتر فايس، منإخراج الصديق الراحل أيضاً فواز الساجر.. وعنوانها: "رحلة حنظلة من الغفلة إلىاليقظة" ووجدت نفسي في المسرحية: حنظلة الذي غَفِلَ عن باب المسرح.. ثم اكتشفه!..‏

والمسرحية الأولى التي حضرتها بعد غفلتي، كانت مسرحية معدة عن روايةدستويفسكي: الإخوة كرامازوف.. وقد لعب دور الأب كارامازوف الفنان الراحل نهاد قلعي،وكان هو مخرج المسرحية.. أما دور الابن غير الشرعي سميردياكوف فقد لعبه الفنان رفيقسبيعي، قبل أن يتحول قلعي إلى حسني البورظان.. وسبيعي إلى أبي صياح.. في بحث أجدىمن العمل كموظفين في المسرح القومي، يبيعان حريق أعصابهما بسقط الأجر..‏

وثمةعلّة في تراجع المسرح لدينا.. وليس صعباً أن تكتشفوها..

 

 الأسبوع الأدبي