الثقافة الإبداعيّة في نصوص أنور فرنجي
تطلّ علينا عبقريةُ أنور فرنجي، كما المعتاد، دائماً بالجديد. فمن "الكْرِيُولوجيا الجنائيّة" إلى "الكرِيُوقراطيّة"، مروراً بِ "ديمقراطيّة التاريخ" و"الضَمَوطنيّة" و"التقنيّة المجمُوعتيّة"، والتي أشبعتهم تعليقاً في جريدة الأنوار، من حيث جمال الفكر والتحليل وعمقهما وإبداعهما، يُطلعنا مؤخّراً بنصّ قلّ عنه مثيلُه جمالاً أدبيّاً مُبدِعاً شاملا مجدّداً. أودّ، في هذا المقال، أن أنظر في نقاط محدّدة محدودة من كتاب الدكتور فرنجي الذي نُشر في حزيران 2011، بعنوان الدِّين المجموعتي: لأجل خلاص البشريّة، ومنها الثقافة التي تخلّلته، والتنوّع في حقول المعرفة شملها، والتنوع في استعمال الألفاظ والجمل حواها. أبدأ بالثقافة.
حِين أراد فرنجي أن يعبّر عن سعي الشعوب إلى البقاء والدوام، سواء عند أو بعد نشأتها، جال على الأرض بأكملها فربط بين نشاطات عديدة متنوّعة، بغضّ النظر عن أشخاصها، على مثل ما إذا نظرتم من علُ مبنى شاهق على أناس هم ذهاباً وإياباً فلاحظتم تنقّلاتهم وتصرّفاتهم وما همّكم مَن هم ومِن أين. فشبّه الحالة التي تتنوّع فيها السبل المؤدّية إلى بعلبك انطلاقاً من بيبلوس بالحالة التي تتنوع فيها نشاطات الشعوب حين طلب شخصهم، فانتقل من بيبلوس بلبنان إلى أرض إيفوغاو بالفيليبين إلى مدينة الحضرموت في إراضي شيبام باليمن إلى حدائق الشينامبا العائمة في بلاد الأزتيك إلى لهاسّا في التيبت إلى قصر آيت بن حدو بالمغرب إلى صخرة الباندياغارا في مالي إلى مدينة تِيشِيت في موريتانيا إلى لاليبِلا في أثيوبيا وكنائسها العشر إلى جوامع تُومْبُوكْتُو في مالي إلى ضخرة الإنتيهوياتانا أعلى جبل الماشو بِيتشو في بلاد الإنكا، إلخ. فلنقرأ كيف صهر أنور فرنجي كلّ ذلك في جملة واحدة امتدّت على مساحة ثلاث صفحات ونصف (ص 18-22). تحفة أدبيّة قلّ مثيلها، أقتطف منها البعضَ منها ما يلي:
"(...) فإنّه كما إذا تواجدتُم في وَسَط مدينة بِيبلُوس وابْتَغَيتُم الانتقالَ إلى مدينة بعلبك، فاسْتَكشَفتُم السُّبلَ المؤدِّية إليها، فتَخَيَّرتُم إما طريق ضهر البيدر أو بكفيا ضهور الشوير أو عيون السيمان أو الأرز عيناتا، حتّى إذا آثرتم هذه الطريق على تلك باعتبارها الأصلح، ارتاح مسعاكم فتَبعْتُموها حتى بلغتُم بعلبك، كذلك تنَوَّعت النشاطاتُ حين سَعَيتُم في طلبِ شَخصِكم، فَفَضَّلتُم واحداً على غيره يُميّزكم من غيركم، واجتهدتم في إتمامِه حتّى تأصَّل عاداتٍ وأعرافا، مثلما حِين جِئتُم أرضَ إيفوغاو، وأيقَنتُم أنّ أحسن ما تكونون عليه وأنتُم منصبُّون على زراعةِ الأرزّ، طاوَعتُم جبالاً بأكملها وحَرثتُموها واسْتَنْبَتُّموها بالأرزّ، - التاريخُ اسْتَيقَن أن لا ملجأ منها إلا إليها - حتّى إنّكم، إذ حدَّدتْ زراعةُ الأرزّ نَهجَ حياتِكم لأكثر من ألفَي عام، فعلمتُم الطبيعةَ دائمةً ولو مُتقلّبة، اتّحدتُم بالطبيعةِ لتكتسبُوا منها الثّبات فنحتُم من صَخرةِ واديها الأدراج والجلال وقاومتُم المصاعبَ جَهَدْن في تبديل مَجرى نشاطكم الدينيّ فوهَبتُم الوادي قَداسَةً حتّى رزقتُم الطبيعةَ صلابةً من صَخرةِ واديكم المقدَّس، وما همَّت عزائمَكم المخاطرُ هدَّدَتها، بل نزَلتُم أراضي شِبَام وبنَيتُم مدينةَ الحضرموت معاقلَ تقِيكم اجتياحَ الفيضانات، ومع ذلك ترقّبتُمُوها لسَقْي بساتين النخل واختزانِ المياه في الآبار، حتّى غَدت مَوْردَ رِزقٍ تلك الّتي ظلَّت مصدرَ دمار، فقلتُم الطبيعةُ عسَاكم دائمِين في ما أحدثتُم فيها من حَدائق الشينامبا العائمة، - فينيسيا وعظمتها لم تَقوَ على تقليدِها - كأنّما كلُّ شينامبا جاءت واحدةً موحّدةً عاكسةً ذاتَكم الواحدة الموحّدة، لكنّكم ظلَلتُم تتَخوَّفُون - وقد حَسِبتُم كلّ شيءٍ في الطبيعة إلى دوام غيرَ شَخصِكم - على ذاتكم تضطّربون مع اضطراب البُحَيرة في الأرضِ الآلهة، لْهاسّا، فشيّدتم المعبدَ الكبيرَ قرب البُحَيرةِ المضطربة وجفَفْتمُوها لعلَّ الآلهةَ تستعيدُ استقرارَها من جفافِها فتأمَلوا أن تستمدّوا استقرارَكم من استقرارِها، حتّى إذا ودَدْتُم أن تَستَرِيحُوا بعد أن أضناكم النضال، عرّجتُم على آيت بن حدو، الجزيرة الرَمليَّة، تستنشقون من أشجار اللَّوز طاقةً دافعةً تُحيِيكم إلى صَخرةِ الباندياغارا الأمّ، قلتُم ألا ليتما الباندياغارا الملاذ الأمِين يَقِيكم شَرّ المُعتدِين فيقرّبَ منكم ما في مدِينة تِيشِيت من عِلْم، المدينةُ السبعةُ آلاف مَخطُوطة، التي دوَّرتُم زوايا حجارتِها على نحوٍ يُمتّنها فتمتُنوا بالمكان فتتمهّلُوا في نشاطاتكم كما تَمهَّلتُم في اختراع الأبجديّة الأُولَى، يوم كنَعتُم مَدينةَ الكِتاب، تلك التي منها الزمانُ اسْتدام، - أفلا تدنون فتُبصِروا نَبعَ الإله لم ينضبْ ماؤه بعدُ وسبعة آلاف سنة خَلَتْ! - كأنّما ربطتُم قدرَ الإلهِ إيل بقدرِكم، فنزّلتُمُوه يؤسِّس بيتَ الكتابِ حتّى يلمسَ دوامَه فيُؤمِن، ثمّ رفعتُمُوه قِيلَ ما عَزّ عليه أن ينظرَ إلى الصخرِ الحيّ في أورشَلِيم الجدِيدة، لاليبِلا، ذاك الذي نحتُم منه عَشر كنائس حيّة لِكي تُقطّروا في عينيها نُقطَ الدوام فتلْمحَه على مثلِ ما كَسوْتُم جَوامِعَ تُومْبُوكْتُو أخادِيدَ منه، إلا لِيُشرقَ نُزولاً مع الغرب شَرقاً في صخرة الإنتيهوياتانا، أعلَى جبل الماشُو بِيتشُو، حيثُ حَبِستُمُوها كَي يصعبَ عليها المغِيبُ، فأدرَكتُم حِينها لا يَعلُوَنَّ الجبَلُ ارتقاءً حتى يقلّ عن عزمِكم ارتقاءً فيَتَمَوْرن، إنّ الإلهَ كلَّمَكم بصَوتٍ قَلَّ الصدَى عنه في رَجعِ صَوتٍ فعَبَر، وما عَبَر الصوتُ إلا كما عَبَرتُم وأنتم تستنجِدُون بناءَ المعبدِ الأوَّل بأرز لبنان علّ المعبدَ إذا تطَيَّب من أرزِ الرّبّ أقام الرّبُّ في المعبدِ كما أقام الأرزُ في الرّبّ، وأقامت مملكتُكم في الاستقرار، وطوَّلَت."
تقصر المسافة هنا حتّى أفي هذا النصّ الغنيّ من جوانب عديدة تحليلا. أدعو القارىء إلى تمحيصه بهدوء وسكينة. كما تمكّن فرنجي من حقول متنوّعة للمعرفة في نصّه، من البيولوجيا إلى علم الحيوان وعلم الوراثة وعلم الهندسة والفلسفة والأدب، جاءت على شكلّ صورِ شعريّة وعلميّة رائعة لإيضاح أفكار محدّدة. وأعلّق عليها في المستقبل القريب، إن شاء الله.