الفكر الإبداعي في نصوص أنور فرنجي الأدبيّة:"نظريّة الفعل البشريّ في ذاته"
يعتبر الدكتور فرنجي أنّ الفعل البشريّ مكوَّن من عنصرَين أساسيَّين، وهما الخَلق والخَرق، وثالثهما الحدّ (la limite) ضمناً. لولا الحدّ لما كان خَلقٌ، بما أنّ الخلق هو خلقُ الحدّ؛ ولولاه لما كان خَرقٌ، بما أنّ الخرقَ هو خَرق الحدّ. فالعنصران معاً هما اللذان يسمحان لأيّ فعل بشريّ بأن يظهر كما هو عليه. راجع تعليقي على نظريّة د. فرنجي في الفعل البشريّ في ذاته في جريدة الأنوار، "علم الخلق الإجرامي لِ أنور فرنجي...ثورة العلوم الجنائيّة"، 31 كانون الثاني/يناير 2008، ص 19؛ و7 شباط/فبراير 2008، ص 19.
ولا يعتبر فرنجي أنّ الخلقَ يمثّل الخير، فليس كلّ عمل خلاق هو بمثابة خير؛ ولا يقول إنّ عمل الخرق يتّصف بالشرّ، لأنّ عمل الخرق يحتّمه الخير أحيانا. وقد عبّر فرنجي عن ذلك في كتابه الذي صدر في حزيران 2011، بعنوان "الدِّين المجموعتي: لأجل خلاص البشريّة"، بالقول (59-60):
"فالخلقُ ليس خيراً أو شرّاً لا محالة،
كما ليس الخرقُ شرّاً أو خيراً حَتما.
إنّما الانقياد لِطبيعة النشاطِ البشريّ خيرٌ
لأنّه إيمانٌ بأنّ الخلقَ والخرقَ هما فوق مسار الخيرِ والشرّ؛
وعدمُ الإذعان لِطبيعة النشاطِ البشريّ شرٌّ
لأنّه إيمانٌ بأنّ الخلقَ والخرقَ ليسا فوق مدار الخير والشر."
وطبيعة النشاط البشريّ التوسّع دَوماً. فقد أُعطِيَ النشاطُ البشريّ تركيبة بالطبيعة تسمح له بالتوسّع دائماً، على حدّ ما قال به (ص 49-50) :
"فإنّه مثلما اخْتلَفت ألوانُ الطيورِ
على قَدْرِ حاجاتها إلى حمايةِ ذاتها،
فمَا مسَّت الطبيعةُ الطيورَ بألوانٍ داكِنة إلا الذكُورَ،
وأغاثتْ الطيورَ الإناثَ بألوانٍ خافِتة أتاحَت لَها،
عندما تجلِس على العشّ حَتّى يفقسَ البيض،
التستُّرَ من الأعداء،
كذلك أُوتِيَ، كيف شكَكتُم!، النشاطُ البشريّ
بتركيبةٍ ليحفظ توسّعَه من شرِّ انْحصاره."
وهو عنصر الخَرق أساساً، وليس عنصر الخلق تحديداً، المسؤول عن هذا التوسّع،
"لأنّ نشاطَ الخَرق تفَرَّد بِتَخَطِّي حدودٍ معيَّنة
أو بِتجاوُز حدود غير معيَّنة بهدف تَحدِيدِها،
بَينما تَمثَّل نشاطُ الخَلْقِ، بعد الخَرْقِ،
في حَصْرِ نشاطٍ غير مَحدودٍ ضمن حُدود، والمحافظة عليها،
أو ضمن ظاهِرٍ جديد لِنشاطٍ كان له حَدّ ظاهِر، فالمحافظة عليه.
غَير أنّ دور الخَلْقِ والخَرْق غالباً ما اختلَط
على نَحوٍ لم يكن من الهيِّن تفريقُهما،
فتوسَّع العَقلُ في التمييز بينهما لأجْلِ الفَهْم." (ص 40-41).
ولكن ما معنى "طبيعة النشاط البشري أن يتوسّع دائما"؟ أن لا يتمّ إذا تمّ. أي كما أنّ
"المسلَّمَة حقيقةٌ قَلَّ عنها أيُّ برهان
فأرَتْكم أنّها تمّت بتمامِها وما تمّت،
لأنّ ذاتها عيناً أن تكون غيرَ ذاتها عينا،
وإلا انتفتْ عنها صفة المسلَّمة،
كذلك إذا تَمّ النشاطُ البشريّ لم يتمّ،
لأنّ ذاته عيناً ألا يكون ذاتَه عيناً." (ص 37).
يعود إذاً أساس توسّع النشاط البشري بصورة دائمة مستمرّة إلى أنّه "ذاته عَيناً غَيرُ ذاته عَيناً"، أي يتتابع ذاته عَيناً لتوسّع النشاط البشري "على مِثل فُقّاعةِ الصابون إذا انفَجَرتْ لم تَختفي، بل نَتَجَتْ منها حَلقةٌ من فُقّاعاتِ صابون أصغر." (ص 42).
ولكن ذلك لم يُشف غليلي، لذلك، طلبتُ من الدكتور فرنجي رسالةً تفسيريّة أولَى لإيضاح هذه النقطة بالذات. فقال فرنجي في صفحتها الأولى ما حرفيّته: "لا يكون النشاطُ ذاتَه عَيناً غيرَ ذاته عَيناً إلا بالاختبار باسم الإنسانيّة. والاختبارُ باسم الإنسانيّة هو اختبارُ غَيرِ المشترك، وليس المشترَك، بين البشر. وهو اختبارُ غَيرِ المشتَرَك من دون أن يتولّد من هذا الاختبار تاريخ وعادات وأعراف، وإلا كان اختباراً جماعتياً، أي اختبار من منظور تاريخ الجماعة وعاداتها وأعرافها وليس من منطلق الإنسانيّة ذاتها. ولكن قلتُ إنّ المجموعة اختلفت عن الجماعة في أنّها بلا تاريخ وعادات وأعراف، لأنّ النشاط يحدّدها، وليس شخصها، ولا شخص لها أساساً. وبالتالي، إنّ القول "ذاتُه عَيناً غيرُ ذاته عَيناً" يعادل القول "الاختبارُ المجموعتي باسم الإنسانيّة لغَيرِ المشتَرَك بين البشر". واختبارُ غيرِ المشترَك لا يعني اختبار محبّة العدو كما قال بها أحيقار وسيراخ والمسيح. لأنّ المشترك قد يكون بين الأعداء بقدر ما يكون غيرُ المشترك بين الأحباء (...)".
وقد دعا فرنجي إلى الاختبار باسم الإنسانيّة في كتابه (ص 68-69)، فقال:
"وماذا تفهمون من الاختبار باسم الإنسانيّة؟
أإعانة المسنّين في بيوتهم على قضاء حوائجهم؟
أم البكاء على شاب قريبٍ ولّى فافتقدتموه وما هو قريب؟
أم إسعاف طفل مَيت لا يُرجى له الخلاص؟
بل هو أكثر من ذلك، الاختبارُ باسم الإنسانيّة.
هو مجرّد اختبار ما هو ليس مشتركاً بينكم.
أما باعد بينكم ما ليس مشتركاً بينكم؟
فإذا اكتَفَيتُم بما هو مشترك بينكم، فأيَّ زيادةٍ فعَلتم؟
أما الهواء قاسم مشترك بينكم جميعاً؟
ومع ذلك، لَم تُجانِبوا استدامةَ شَخصكم!
أوَ ما القانون قاسم مشترك بينكم جميعاً؟
ومع ذلك لَم تنصرفوا عن التّماميّة،
أو تُهَدِّئوا ما يشقّ على نُفُوسِكم من بغضاء وكراهية.
إنّ اختبارَكُم المشتركَ وبحثَكم عن المشتَرَك بين أديانكم
عَبَّر عن اختبارٍ بشريّ من منظور بشريّ،
وليس من منظور الإنسانيّة ذاتها."
يتّضح لي إذاً من كتاب فرنجي ورسالته التفسيريّة الأولَى أنّ اختبار غير المشترك بين البشر لا يكون إلا ضمن المجموعة، لذلك قال (ص 70):
"(...) فإنّه كما حِينَ أغمَضتُم إحدى عَينَيكم
رأيتُم أنّ الشيء زاح معها،
مع أنّ المرءَ والشيء لا يلتقيان،
ثمّ علِمتُم حِين فَتَحتُموها أنّ الشيءَ لَم يَزِح،
فاسْتَخلَصْتُم من اختبارِكم العبرةَ أنّ الأشياءَ لا تتَنَقَّل معكم،
كذلك، وحدُه الاختبارُ المجموعتي باسمِ الإنسانيّة
يُعرّفكم غَيرَ المشترَك بين أديانكم."
خمس نقاط إذاً تكوّن نظريّة فرنجي في "طبيعة الفعل البشري في ذاته"، وهي: (أ) طبيعة النشاط البشري التوسّع بصورة دائمة مستمرّة. (ب) والتركيبة الطبيعية للفعل البشري هي التي تسمح بتحقّق توسّع نشاطه الدائم، ويتكون من عنصرّين أساسيَّين، وهما الخلق والخرق، ضمناً الحدّ عنصراً ثالثاً. (ج) والتوسّع الدائم يعني أن يكون النشاطُ البشري "ذاتَه عَيناً غيرَ ذاته عَيناً". (د) والقول "ذاتُه عَيناً غيرُ ذاته عَيناً" يعادل القول "الاختبار المجموعتي باسم الإنسانيّة لِما هو غَير مشترَك بين البشر." (ه) والاختبار المجموعَتي هو الذي يعرّف غيرَ المشترك بين البشر."
وقد تولّدت من نظريّة فرنجي في "طبيعة الفعل البشري في ذاته" نظريّات أخرى له، لا تقلّ أهميّة عنها، منها نظريّة الشخصَنة، ونظريّة التماميّة، ونظريّة في علم الوراثة، ونظريّة في علم الهندسة، ونظريّة الخير والشرّ، وكلّها ضمن طرحه "الدِّين المجموعَتي". وأبيّن مقوّماتها تباعاً في المستقبل القريب، إن شاء الله.