التنوّع المعرفي الإبداعي في نصوص أنور فرنجي الأدبيّة (3)

بِيترا حنّا قرأها 6,205

   أبيّن فيما يلي التنوع المعرفي الإبداعي في نصوص فرنجي الأدبية. من جهة، تنوّعت المعرفة في "الدِّين المجموعتي" (حزيران 2011) بشكل مكثّف. ومن جهة أخرى، جمَع فرنجي هذه حقول ضمن بنية إبداعية فريدة تخلّلت كلّ كتابه (راجع بيترا حنّا، "ألبنية الإبداعيّة في نصوص أنور فرنجي الأدبية (2)"، موقع "جماليا"، 9 آب 2011). لذلك، جاء التنوّع المعرفي في كتاب فرنجي إبداعيّا.

والبنية الإبداعية هذه ليست إلا عبارة عن "اختبار" فكرة معيّنة لِنشاط محدّد أو "اختبار" نشاط محدّد لِفكرة معيّنة، والفكرة والنشاط لا ينتميان بالضرورة إلى العلم عينه. وكان فرنجي نادى بالاختبار في كتابه "الكريوقراطيّة" (أيلول 2008)، وهو مشروع دولة لأجل "اختبار مجموعتي" باسم الإنسانيّة، أي إختبارُ بناء دولة تكون فيها "المجموعة" هي الحاكم، وليس الجماعة أو الأفراد. و"الإختبار" الذي دعا إليه في "الدِّين المجموعتي" هو الإختبار عينه الذي نادى به في "الكريوقراطية"، فالإثنان يتمثّلان في "إختبار مَجموعتي باسم الإنسانيّة". وإنّما، في "الدِّين المجموعتي"، اعتمد فرنجي منهجَ الاختبار في البنية الكتابيّة، ما لم يفعله في "الكريوقراطيّة". لذلك، أضفيتُ على نصوص "الدِّين المجموعتي" صفة "الأدبيّة".

وقد احتوى "الدِّين المجموعتي" على علوم لم تتضمّنها البنية التي اعتمدها فرنجي، وعلى علوم تضمنتها هذه البنية. والعلوم التي لم تحوِها هذه البنية يتفرّع منها نوعان. النوع الأول ويشمل العلوم الذي طرح فيها فرنجي نظرياته الخاصة، ومنها علم الوراثة، وعلم الهندسة، والفلسفة (نظرية التوسّع الدائم للنشاط البشري، ضمناً نظرية التمامية ونظرية التركيبة الطبيعية للفعل البشري بذاته)، واللاهوت (الدِّين المجموعتي، ضمناً نظرية الخير والشرّ). والنوع الثاني ويشمل العلوم التي ذكر فرنجي أمثلة عنها ضمن إحدى هذه النظريات وذلك تأكيداً على هذه الأخيرة، ومنها السياسة، والدين، والديموغرافيا، والتاريخ، وعلم الاجتماع، وعلم الهندسة، والكريولوجيا الجنائية، وعلم الوراثة. فيما يتعلّق بهذه العلوم التي لم تحوِها البنية الكتابية التي اعتمدها فرنجي، لا يسعني هنا أن أقتبس صفحات بأكملها عنها. لذلك، أحيل القارىء إليها في موضعها من الكتاب، كما يلي:

السياسة، ص 46- 47؛

الدِّين، ص 18، 38-39؛

الديموغرافيا، ص 18- 22 (والمقال الذي نُشر لي في موقع "جماليا"، 7 آب 2011، ويحمل العنوان "الثقافة الإبداعيّة في نصوص فرنجي")؛

التاريخ، ص 24-28 (عن الإستعمار)، وص 34 (عن شعب كنعان؛ والعائلات الحاكمة في روما)، وص 38-40 (عن عائلتَي فرنجيباني والفرنجي)؛

علم الاجتماع، ص 31-32 (عن المجتمع البريطاني)، وص 32 (عن المجتمع الأميركي)؛

علم الهندسة، ص 50-55 (ضمن نظريّته في التوسّع الدائم للنشاط البشري)؛

الكريولوجيا الجنائيّة، ص 55-56 (ضمن نظريّته في التركيبة الطبيعيّة للفعل البشري في ذاته، والتي تعود إلى العام 1982)؛

علم الوراثة، ص 57-59.

أما العلوم التي جمعها فرنجي ضمن اختبار البنية التي اعتمدها، أي البنية التي تقول باختبار نشاط معيّن لفكرة ترافقه أو باختبار فكرة معيّنة لنشاط يرافقها، فهي التالية: علم الحيوان، والفيزياء، والجيولوجيا، والكيمياء، والفيزيولوجيا، وعلم الوراثة، وعلم النبات، وعلم التغذية، والطب النباتي،  والزراعة، والتاريخ، والميثولوجيا، وعلم المنطق، وعلم اللغة، والعادات، والفلسفة، والشعر. وأذكرها كما يلي:

* علم الحيوان: وجاء منه تسعة أمثلة كما يلي:

ص 17: "مثلما عندما خرَجَت اليَرقانةُ من البيضة التي وضعَتها الفراشَةُ الأمّ عند النبتة تؤمّن لها الغذاءَ الوفِير، تغذَّت من قشرةِ البيضة ذاتِها، ثمّ من ورقةِ النبتة، واخْتزَنت الطعامَ في جِسمها دِهْناً يُديمها ما دامت فراشةً (...)."

ص 22: "كما لم يتَبدَّل لونُ جلدِ الحِرْباء ملاءمةً مع محيِطِها ولكن تبَدَّل تعبيراً عمّا يجُول في نفسِها من مَخاوِف (...)."

ص 29-30: "مثلما بَعدما تناولت اليَرقانةُ ما يلزمها من الطعام يُبقِيها فراشةً أطول فترة ممكنة، وشَعَرتْ بأنّ وقت التحوّل إلى خادِرة قد حان، فغَزَلَتْ خُيوطاً حَريريّة حول نفسها فبَدَت وهي كائن حيّ كأنّها كائنٌ ميت (...)."

ص 30-31: "كما نَسَجَتْ أنثى الْعَنكبوت، بُغية الإمساكِ بضحيّتِها، شبكةً من خيوطٍ حريريّةٍ أخرجتها من الغددِ الموجودةِ في بطنها، ثمّ ترَكَت على الخيوطِ الخارجيّةِ من الشبكة مادةً لاصقة، سِوَى بعضٍ من الخيوطِ الداخليّةِ لِتقِيَ حريّتها من سُوءِ عملها (...)."

ص 31: "(...) كما اضَّطر عصفورُ الدُّوري إلى التغريد كالبلابل لو رَبَّيتموه بين البلابل."

ص 38: "(...) كما تكرَّرت نشاطاتُ النحل والنّمل مَرَّة بَعد مَرّة، قُلْتُم إنّها كما كانت سوف تكون ذاتها عَيناً."

ص 41: "(...) في مِثلِ ما إذا سَهَّلتم على الخادِرة انْتقالها إلى فراشة بدونِ أن تُكافحَ من أجلِ دفعِ السوائل من بطنها إلى جناحيها كي تتهيّأ للطيران، فقضت بقيّة عمرها تزحف في المكان نفسه."

ص 49-50: "مثلما اخْتلَفت ألوانُ الطيورِ على قَدْرِ حاجاتها إلى حمايةِ ذاتها فمَا مسَّت الطبيعةُ الطيورَ بألوانٍ داكِنة إلا الذكُورَ وأغاثتْ الطيورَ الإناثَ بألوانٍ خافِتة أتاحَت لَها، عندما تجلِس على العشّ حَتّى يفقسَ البّيض، التستُّرَ من الأعداء (...)."

ص 73: "كما نَفَضَ النَّسرُ من ريشِه الماءَ من بعدِ أن غلَّ في الريش ماء، فَمدّ عنقَه نَحو الأعلى عازماً على أن يطير، وهَبَّ يخبط جناحَيه العَظيمَين الجلِيلَين إلى الجَوّ، مثلما خَبَط البحّارُ مجْدافَي قاربه لَم ينثنِ عن الانطلاق، فحَلَّق فبسَط جناحَيه الطويلَين الواسِعَين سابحاً في الهواء بانسيابٍ في حلقات واسعة جائلاً طَرفَه من علُ في أرجاءِ الحقولِ الممتَدَّةِ الشاسعة حتّى إذا عثَر علَى ضَحيَّتِه انْقَضَّ عليها يفترسها (...)."

* الفيزياء: وجاء منه تسعة أمثلة كما يلي:

ص 23-24: "كما إذا ارْتَخَى الحبلُ استطعتُم شَدَّه وإذا اشْتدّ عجزتُم عن اجْتذابِه (...)."

ص 28: "مثلما إذا انْحَنَيْتُم على نَهرٍ يسيل تُجاهكم من تحت جسر وأنتم تُنعمون النظرَ في صورتكم في الماء، اعتقدتُم أنّكم والجسر تَتَحرَّكون إلى الأمام برفق وأنّ الماءَ في سُكُون، ثمّ أدركتم أنّكم والجسر ثابتون وأنّها الماء تَجري (...)."

ص 44: "كما أنّ الجماديّة والحركة الثابتة واحد فلا تدرون هل الحركةُ الثابتةُ في حراكٍ أو جَماد (...)."

ص 49: "كما رَفْرَفَتْ ورقةٌ نزولاً من علُ غصن شجرة فلفّتْ ودارتْ من خَلفِ ذاتها، وانْسابتْ يَميناً ثمّ غفَلتْ عن اليمين شمالاً، فتَغنَّجَتْ ذهاباً وإيابا، وارْتفَعَتْ لَحظة فانْتظَرت حائرة، ثمّ خفَّتْ وطافت نزولاً إلى الأرض (...) مثلما لا تسقط ورقةٌ مرَّتَين من الشجرةِ نفسِها ولا تتبع ورقتان خَطَّ النزول ذاتِه."

ص 59: "(...) كما أنّ البَرقَ والرَّعدَ واحد، مع أنّكم ترون البرْقَ الوامضَ أوّلاً ثمّ تسمعون الرَّعدَ الزائِرَ ثانياً لأنّ الضوء أسرع من الصوت في اجتياز مسافة معيّنة (...)."

ص 62-63: "(...) كما في لُعبة شَدّ الْحَبْلِ، إذا بذَل كلٌّ من الفَريقَين المتَعارِضَين قوّةً لِسحب الحَبْل صَوبَه، والْحَبْلُ راتِبٌ ثابت، أبطلت القِوى من الاتّجاهَين النقيضَين بعضَها بعضاً فتعادلتْ."

ص 64: "(...) إذا أوقَدْتُم النارَ من طرفٍ واحد من الحبل استغرقْتُم ضعفَ الوقت فيما لو ألْهَبتُم مسافتَه من طَرفَيه معاً."

ص 67: "كما إذا ألقيتُم المرساةَ في الماءِ من عَلَى المركب، انخَفَضَ، ولم يَعْلُ، مستوى الماء في المستنقع حيثُ المركب، لأنّ الثِقْلَ في المرساة ذاتها وليس في المركب (...)."

ص 77: "(...) كما تدَفَّق نورُ المصباح من الخفاء في العتمة وانْحَسَرَ من وَضَحِ النهار إلى الخفاء."

* الجيولوجيا: وجاء منه مثلان كما يلي:

ص 43: "مثلما إذا عامتْ خَشبةٌ على الماء عَلَتْ وانْحطَّتْ مع أمواج الْبَحْر ولم تتَقدَّم، إذا لم يقذِفها المدُّ والجَزرُ أو لَم تُبعِدها الرّيح، ومَثَلُ ذلك مَثَلُ حبلٍ إذا هززتموه من طَرفِه عَرَته رَعشةٌ تموّجيةٌ لا غير، ولم يسْتطِل، لأنّ التَمَوُّجَ هو ما خَفَق على طُولِ الحبْل، وليست ذرّات الحبل (...)."

ص 61: "كما حِين عبَر الْغَيمُ من فوق مَريم العذراء عند تلال حَريصا، خُيِّل إليكم، إذا نظَرتُم إليها من سَفح التلال، أنّ البتُولَ الْحَنُونَ مالتْ عن الأفقِ أو لا إليه مالتْ (...)."

* الكيمياء: وجاء منه مثل واحد كما يلي:

ص 42: "(...) على مِثل فُقّاعةِ الصابون إذا انفَجَرتْ لم تَختفي، بل نَتَجَتْ منها حَلقةٌ من فُقّاعاتِ صابون أصغر."

* الفيزيولوجيا: وجاء منه ثلاثة أمثلة كما يلي:

ص 22-23: "إذا النسيانُ ليس بِعَيبٍ من عُيُوبِ الذاكرة بل هو حالةٌ أجازت ثُبوتَ معلومات جديدة في العقل، فوجَب نسيانُ المعلوماتِ غير الثابتة لِتحلّ المعلوماتُ الجديدة مَحَلّها (...)."

ص 63: "في مثلِ ما توازَنَت الحواسُ الخمسُ عند البشر، (...) على نَحوِ ما تباينت الحواسُ الخَمسُ في الحيوان فغَلَبَ البصرُ على حواس النَّحل فرأت الأشعةَ فوق البنفسجيّة، وتسَلَّط على حواس الكِلابِ السَّمَعُ فسمِعت الذبذباتِ فوق الصوتيّة."

ص 70: "كما حِينَ أغمَضتُم إحدى عَينَيكم رأيتُم أنّ الشيء زاح معها، مع أنّ المرءَ والشيء لا يلتقيان، ثمّ علِمتُم حِين فَتَحتُموها أنّ الشيءَ لَم يَزِح، فاسْتَخلَصْتُم من اختبارِكم العبرةَ أنّ الأشياءَ لا تتَنَقَّل معكم (...)."

* علم الوراثة: وجاء منه مثل واحد كما يلي:

ص 23: "(...) مثلما إذا تجَدَّدت جيناتُ الكائن الحيّ مُبكِراً بعد تشَكّله في التاريخ ظَلَّ بعضُها في الجِينُوم، ما سمَح له بالتكيُّف وَفق حالاتٍ بيئيّةٍ طارئة."

* علم النبات: وجاء منه مثل واحد كما يلي:

ص 77: "مثلما عندما تكون النّبتةُ في الظلّ يَتجمّع الأُوكْسِين في الخلايا الموجودةِ في الجهةِ من الجذعِ المائلة عن الضوء، ما يؤدّي إلى تكاثُر الخلايا الموجودة في الجهة المضَاءةِ من الجذْع، فيحمل النّبتةَ على تَحويلِ أوراقِها نحو النُّور (...)."

* علم التغذية: وجاء منه مثل واحد كما يلي:

ص 62: "(...) مثلما اقْتَضَى إتمامُ الوظائف الحيويّة في الجسم إتّباعَ نظام غذاء متوازن بتناول كميّات كافية من جميع الفيتامينات."

* الطب النباتي: وجاء منه مثل واحد كما يلي:

ص 70: "مثلما أن لِسانَ الحَمَل نبات برّي ومع ذلك ينفع طبيّاً لِعلاج الرَّبو والسِّلّ (...)."

* الزراعة: وجاء منه مثل واحد كما يلي:

ص 29-30: "(...) على مثلِ ما جَمَعْتُم مياهَ الأمطار ضمن ساقيةٍ فسَيَّرتُموها في اتِّجاه حُقُولِكم لِسُقياها، (...) ولكي تستفيدوا من سُقياها قدرَ المستطاع لَم تعدّلوا في مَجراها، فتمّت بِتمامها."

* التاريخ: وجاء منه مثل واحد كما يلي:

ص 66-67: "(...) تماماً كما انعطَفَ يومُ رأس السنة من الخامس عشر من شهر آذار/مارس إلى الأوّل من شهر كانون الثّاني/يناير بِقرارٍ من مَجلسِ الشيوخ الرّوماني للبَدءِ مبكراً عمليّة عسكريّة عُيِّن مَوعدُها في يوم رأس السنّة."

* الميثولوجيا: وجاء منه مثلان كما يلي:

ص 60: "مثلما تَدَلَّت الأغصانُ الْمُثقَلة بالفاكهة قرب شَفَتَي تَنتالُوس وارتَدَّت عنهما بَعيداً كلّما حاول بُلُوغَها (...)."

ص 71: "كما انّ سيسيفوس أطلَع الصخرة إلى أعلى الجبل لِتَتدَحْرَجَ إلى الوادي ثانيةً ولِيباشرَ إطلاعَها إلى أعلى الجبل تارةً أخرى (...)."

* علم المنطق: وجاء منه مثل واحد كما يلي:

ص 37: "كما انّ المسلَّمَة حقيقةٌ قَلَّ عنها أيُّ برهان فأرَتْكم أنّها تمّت بتمامِها وما تمّت، لأنّ ذاتها عيناً أن تكون غيرَ ذاتها عينا، وإلا انتفتْ عنها صفة المسلَّمة (...)."

* علم اللغة: وجاء منه مثل واحد كما يلي:

ص 61: "مثلما إذا قُلتُم "هذا طِبْق ذاك" عَنَيتُم "هذا مطابق ذاك"، كذلك إذا لَفظتم "طِبق من الناس" أشرتم إلى "جماعة" وليس إلى "مجموعة" من الناس، لأنّ أفراد المجموعة، وإن تَطابقوا، لم يتساووا كمالاً كما أفراد الجماعة."

* العادات: وجاء منها أربعة أمثلة كما يلي:

ص 30: "مثلما تَريَّث القطارُ في اتّجاهِه إلى نقطةِ الوصول عند محطّة ما ليُنزل أو يُصعد ركاباً، ولم يُوقِف سَيرَه عندها، فلا محطّة تُحيده عن هدفه المنشود (...)."

ص 64: "(...) على نَحوِ ما إذا هَززْتُم الغربال من محيطه الخشبي بكلتَي اليدين لِنَخْلِ الدقيق وتَنْقيتِه من الشوائب، احتفظتُم بالدقيق وألقيتُم الشوائب جانباً."

ص 67: "مثلما أنّ وجودَكم في الصحراء هو ذاته الحِمْلُ الثقيلُ على أنفسكم فانتقلتُم من مكان إلى آخر بحثاً عن الماء ولَفَفتُم أجسامَكم بثِيابٍ تَحتَمون مِن شَدَّة حَرِّ الشمس (...)، في مِثلِ ما ارتكز عيشُكم في الصحراء على البحث الدائم عن المياه وتلافي حَرارة الشمس القاسِيَة."

ص 71-72: "كما حين تناوَلْتُم وردةً بيدٍ وانتزعتُم أوراقها بالأخرى، واحدة تِلْوَ واحدة، ضامرين في الواحدة الحُبَّ وفي الأخرى اللاّحُبّ، وأمنيتُكم لو تقع الأخيرةُ على الحبّ (...)."

* الفلسفة: وجاء منها مثل واحد كما يلي:

ص 77-78: "كما إذا ألقت الشمسُ شعاعَها على العتمة زادتْ على الأشياء وجوداً وازْدادت الشّمسُ بِدورها من الأشياء ظلّا، فدَرَيتُم مقدارَ حرارةِ الشمس بِما ليس منها في الظلّ (...)."

* الشعر: وجاء منه خمسة أمثلة كما يلي:

ص 55: "(...) على مثل الذي حَطَّ الكفَّ، كالمستظلّ من الشَّمس المحرِقة، على الجَبِين، لِكَيما الذي أوشك أن يلمس البصر، لولا الشعاعُ الشّديد، يَبِين (...)."

ص 64: "كما أحيَيتُم سَوادَ اللَّيل في النشاط حَتّى تراءى لكم أنّ القنديلَ المضاءَ عُريانُ من لَيل (...)."

ص 73: "كما نَفَضَ النَّسرُ من ريشِه الماءَ من بعدِ أن غلَّ في الريش ماء (...)."

ص 72: "(...) كأنّ إليها أحبَّ المطارِح، إلا الوُصُول، الْتماسُ الوُصُول (...)."

ص 72-73: "(...) مثلما إذا اغْرَوْرَقت العينُ بالدَّمعِ فخَلتْ من العينِ رُؤيا الوجُود مسَحتُم بالكَفِّ طَرفاً لِكيما إلى العينِ رؤيا الوجُود تعود (...)."

إن البنية الإبداعية لما تعنيه من إختبار للنشاط والفكرة معا، ولا ينتميان بالضرورة إلى العلم عينه، خوّلت فرنجي بأن ينساب بين العلوم فيمرّ رقيقاً سهلاً في حقلٍ من المعرفة هنا ليظهر في حقل آخر من المعرفة هنا. تماماً كما فعله حين ربط شعوباً متعددة متفرّقة من خلال نشاطاتهم، فما كاد ينساب كلامه إلى هذا الشعب في هذه البقعة من الأرض حتى امتدّ إلى شعب آخر في تلك البقعة من الأرض. فتتساءل ماذا يجري هنا؟ هل نحن أمام نصّ سُرْيالي؟ لا. إنما عبقرية فرنجي أدركت أنّ ما لا يمكن جمعه من خلال الشعوب تجمعه نشاطاتهم. فاتّحد كتابه ضمن اختبار واحد، ارتكز على النشاطات الخلاقة، وليس على الأشخاص، سواء كان هؤلاء الأشخاص أفراداً أم جماعاتٍ أو "علوماً". راجع بيترا حنّا، "الثقافة الإبداعيّة في نصوص أنور فرنجي"، موقع "جماليا"، 7 آب 2011.

وأذكّر هنا بأنّ الارتكاز على النشاطات الخلاقة وليس على الأشخاص هو المبدأ الأوّلي الذي بنى عليه فرنجي "النظام الكريوقراطيّ". وهذا ما يشكّل الرابط الخفيّ بين "الدِّين المجموعتي" و"الكريوقراطيّة". كما انّ الارتكاز على النشاطات وليس الأشخاص هو ما يسمح للنشاط البشري بأن يعيش توسعه الدائم. وعنصر الخرق، الذي يكوّن الفعل البشري في ذاته، إلى جانب عنصر الخلق والحدّ ضمنا، هو المسؤول عن هذا التوسّع. لذا، نرى في طيّات "الدِّين المجموعتي" امتداداً طبيعياً، عبر خرق الحدود، من علم إلى آخر لا يتخلله أيّ تكلّف أو تدخّل اعتباطي.

وبالتالي، ندرك كم هي غنيّةٌ في نتائجها وشاملةٌ في مقوّماتها ومجدّدةٌ في نظرتها نظريةُ فرنجي في "التركيبة الطبيعيّة للفعل البشري في ذاته"، والتي تعود إلى العام 1982 حين طرَحَها في مقدّمة الأطروحة لنيل الدكتوراه من جامعة بواتييه في فرنسا، بعنوان "الكريولوجيا الجنائيّة". وكان له من العمر 21 سنة حين بدأ بها. حينها، كانت فكرة فرنجي الأساسيّة هو أن البحث عن أسباب الجريمة خارج تركيبة الفعل البشري في ذاته، في الشخص أو العائلة أو المجتمع أو البيئة، لا يجدي نفعاً لأنّ النسبية الثقافية تحول دون معرفة طبيعة الجريمة. لذلك دعا إلى نقل دراسة أسباب الجريمة إلى داخل تركيبة الفعل البشري في ذاته حتّى نجد حلولا ثابتة جذريّة للجرائم. هذه "النقلة" التي لم يسبقه عليها أحد، وهو في الواحد والعشرين من عمره، سمّيتها "ثورة العلوم الجنائيّة" في مقالَين لي في جريدة الأنوار (31 كانون الثاني/يناير 2008، ص 19؛ و7 شباط/فبراير 2008، ص 19). واليوم، نرى أن أساس فكرته بقيت على حالها، فهمّه الوحيد دائما هو تركيبة الفعل البشري في ذاته، ولكن اتّسع نطاق الفكرة ليحوي مجمل العلوم ضمن الاختبار باسم الإنسانية. وقد صدر لي تعليق عليها في موقع "جماليا"، من ناحية "الدِّين المجموعتي"، في تاريخ 14 آب 2011، بعنوان "الفكر الإبداعي في نصوص أنور فرنجي الأدبيّة: نظرية الفعل البشري في ذاته." أحيل القارىء إليها.