جولة في متاهات بورخيس
إذاً سأكون غداً الموتَ واللغز، أنا الذي أسير مبتهجاً اليوم.
لن يكون لي قبل ولا بعد، مقيماً أبدياً في مدارٍ سحري ومنعزل.
إنه شرط التزهّد.
لا أظن أني أهل بالجحيم ولا موعود بالمجد،
لكني أشك في عدم قدرتي على التنبؤ.
(الألغاز- بورخيس)
من أين يبدأ القارئ عندما يروم ولوج عالم أو (بالأحرى عوالم) خورخي لويس بورخيس؟ أية معان يدركها القارئ وأية رسائل يتسلّمها وهو يتجوّل في تلك العوالم، المتاهات؟ وأين تأخذه تلك العوالم؟ أنها أسئلة تنفتح على مجموعة أسئلة أخرى لنجد أنفسنا في نهاية الأمر وسط متاهة قد تعيدنا الى حيث بدأنا.
ولد الكاتب "خورخي فرانشيسكو ايزيدورو لويس بورخيس آتشيفيدو" المعروف بخورخي لويس بورخيس في عام 1899، في "بيونس أيريس" عاصمة الأرجنتين، أنتقلت عائلته في عام 1902 الى إيطاليا، كان أبوه محاميًا وفيلسوفًا ومدرسًا لعلم النفس، بينما أمه مترجمة وقارئة شديدة النهم كجدته التي يحكي عنها الكثير من مذكراته، وقد ترجمت أمه أعمالاً أدبية عالمية، مثل: "فرجينيا وولف"، "هربرت ريد"، "الكوميديا الإلهية". بدأ الكتابة مبكرا، في سن السابعة مقلداً أسلوب سرفانتس. نشر في عام 1913، بعد عودته للأرجنتين، ترجمة إسبانية لقصة (الأمير السعيد) لأوسكار وايلدز. في عام 1919 نشر أولى مجموعاته الشعرية (نشيد البحر). أسّس في 1921 مجلة (بروا) الأدبية بالتعاون مع الأديب ماسدينو فرناندز. صدر له أول كتاب ضمّ مقالاته بعنوان (استقصاءات) في 1935، بعد ثلاث سنوات أصيب بورخيس بجرح بالغ في رأسه في حادث وكاد أن يموت خلال علاجه بسبب تقيح الجرح. بعد تعافيه (1941) ظهرت أول مجموعة قصصية له "حدائق الممرات المتشعبة. تقلد بورخيس (1956) منصب أستاذ للأدب في جامعة بيونس آيرس والعديد من المناصب المؤقتة في جامعات أخرى. فقد بصره في 1960. فاز في 1961 مشاركة مع صموئيل بيكيت، مؤلف "في أنتظار غودو"، بجائزة (فورماتور)، توفي خورخه لويس بورخيس في جنيف في 14 يونيو 1986 عن 86 عامًا. ابتدع أسلوباً جديداً في الكتابة التي تمزج القصة القصيرة بالمقال الأدبي أطلق عليه اسم "الفيسيون" قال عن كتابة القصة: "كتبت قصصًا قصيرة؛ لأنني أصبت بحادث كاد يودي بحياتي وترك أثرًا في رأسي اعتقدت معه أنني وصلت إلى حافة النهاية بالنسبة للإبداع، ففكرت في تجربة نفسي في الكتابة في حقل جديد غير إبداعي الأصلي (الشعر، المقالات) فبدأت في كتابة قصة (بييرمينار).
إن عالم بورخيس المثالي، والذي يعتبره عالمه الحقيقي أيضا، يتجسّد في بناء عوالم خيالية وفي كتابة القصة. وصف البعض كتابات بورخيس بالميتافيزيقية، وقال آخرون إنها فلسفية أو إنها عاطفية النزعة. ولهذا السبب نزعت الكثير من الدراسات الى التركيز على أسلوب الكاتب كوسيلة للوصول إلى معانيه. وبتعبير آخر يصبح الأسلوب وعاء للمعنى وتتحول الأدوات الأسلوبية الى علامات مهمة في اللغة الأدبية التي تنطق ببعض البديهيات، كما يعتقد ديدييه جان في كتابه مكتبة بورخيس الخفية (1992). إن الهدف الأولي لمثل هذه الدراسات هو إبراز المزايا الفريدة للعمل الأدبي، إلا أننا نراها في النهاية تنقب في الأعماق بحثاً عن المعنى، بالرغم من أن بورخيس وفي أكثر من مناسبة، مثلا في كتابه متاهات (2001)، نفى نفياً قاطعاً أن تحمل أعماله أية معان، لأنه يهتم بالجانب الجمالي مما يكتب. ما هو الغرض وراء كتاباته، ونحن نعلم أو نفترض أن جميع الكتابات لا تخلو من معنى أو اكثر؟ أن أفضل الإجابات تأتي على لسان بورخيس وهو يتحدث عن الأدب وكتابته وقراءته.
يقول بورخيس أن "الكاتب هو عقل متحرك في جسد ثابت". أي أن بورخيس يريد أن يقول أن الخيال هو مصدر الكاتب الوحيد، وأن لا وجود للكاتب الواقعي الحقيقي. أن أول ما يقوم به الكاتب هو عزل نفسه عن كل ما حوله ويبدأ عملية استنساخ ليصبح شخصين، أو أكثر، وفي مكانين في الوقت ذاته. (بوسارت 2003). لذلك نقرأ لبورخيس العديد من القصص عن الازدواجية، مثلا في قصتي "بورخيس وأنا" و"شكل السيف". ولأن الكاتب هو في الأساس صانع خيال، يصبح الخيال العالم الذي يعيشه الكاتب ويعيش داخله ويتنفسه، ويصبح هذا العالم هو عالمه الحقيقي. أن الخيال وعلى الرغم من أنه شيء داخلي الا أنه كيان قائم في حد ذاته، ذو طبيعة خارجية على الكاتب أن يخرج منه كي يدرك ما يجري. وبعبارة أخرى، إن كاتب القصة يخلق عوالمه الا انه يكون تحت رحمة القوانين والشروط التي فرضها عليه ألتزامه الوجودي. وتعتقد بياتريز سارلو في كتابها "بورخيس كاتب على الحافة" (2007) أن العزلة والجمود هما الشرطان اللازمان إذا أراد الكاتب أن ينأى بخياله عن هجمات الواقع. الا أن العزلة وحدها لا تكفي كاتب القصة لممارسة عمله أو صنعته. أن العزلة تقود الى الإلهام، إنها تقلّل عدد وتنوع المثيرات التي تهبّ من العالم الخارجي، مما يفسح المجال أمام المزيد من النشاط العقلي الداخلي. يقول بورخيس في مقدمته لقصة تقرير برودي: "إن الصنعة شيء غامض، إن آراءنا زائلة وأنا أفضّل نظرية أفلاطون حول آلهة الشعر على ما قاله الشاعر الأميركي أدغار آلن بو في أن كتابة الشعر عمل من أعمال العقل" (2001). يقول بوسارت (2033) إن بورخيس أراد القول أن الحدس ليس مرادفاً بالضرورة للفكر. إن العزلة تخلق لدى كاتب القصة مزاجية حدسية. وهو يعتقد أن الحدسية، على سبيل المثال، لبست لدى أدجار آلن بو ثوب عالم الرياضيات. بعبارة أخرى أن الكاتب الأميركي يبدو مخادعاً، لكن بورخيس نفسه مخادع أيضا لأن حدسيته ترتدي الثوب ذاته. لذلك يعتقد بورخيس أن الحدس هو الذي يسمح للعقل أن يمر من عالم الحياة اليومية الزاخر بالتفاصيل والأحداث الى عالم المسلمات اللغوي. يقول بوسارت أن الحدس كما يراه بورخيس "هو الوسيلة التي نعبر بواسطتها من الوجود الى الجوهر." إذن، في المواجهة بين الواقعية والمثالية، يناصر بورخيس المثالية بقوة لأنه يعتقد أن الواقعية لا تقدم شيئا كونها تدعى أن جميع الأشياء موجودة بشكل مستقل عن العقل. في حين يستخدم بورخيس الظواهر العقلية كوسيلة لفهم الواقع وكجزء من ذلك الواقع. يقول: "فكرت بالإمكانات الأدبية التي تتيحها الفلسفة الواقعية أكثر مما فكرت بجوهر تلك الفلسفة. هذا لا يعني بالضرورة أني أؤمن بشوبنهاور أو بيركلي. أنا أعتقد أنني كنت أفكر بلا واقعية العالم المادي كمواضيع يمكن توظيفها في الأدب." (بوسارت 2003).
إن هدف بورخيس الرئيس، إذن، هو هدف لغوي، وهو هدف مهم للنقاد والكتاب على حد السواء. أن قصصه لا تكشف فقط تقاليد الكاتب وأساليبه، أنما تقاليد الفن القصصي وأساليبه بشكل عام، وهي، أي القصص، تصبح جزءاً من النقد الأدبي وفي الوقت نفسه وسيلة لتوسيع احتماليات الكتابة الإبداعية. يريد بورخيس أن يبين الطبيعة الحقيقية للقصة: "لامادية الموضوع القصصي والخط الذي يفصل السبب عن النتيجة، وتجاور الممكن والمستحيل في الخانة ذاتها" (2001). الا أن بورخيس وهو يقوم بذلك يطور بشكل غير مباشر أسلوب جديد لرؤية العالم وفهمه، ويضع معايير جديدة لكتابة القصة وقراءتها. على سبيل المثال يقول غابرييل غارسيا ماركيز إنه يقرأ بورخيس لقدرته اللغوية البارعة" أنه رجل يعلمك كيفية الكتابة وكيفية استخدام أدواتك لقول الأشياء". يعتقد الكاتب الأرجنتيني خوليو كورتازار، والذي يعتبره البعض وريث بورخيس، أنه وبورخيس يتشابهان في "البحث عن أسلوب...". ويرى الروائي المكسيكي كارلوس فوينتيس أن بورخيس "يطمس كل الأشكال الأدبية وينقذ جميع التقاليد ويقتل كل العادات السيئة، ويخلق نظاماً جديداً وصارماً تزدهر في جنباته السخرية والفكاهة والهزل". (جين فيلادا 2000).
يتفق الكتّاب الثلاثة الذي ورد ذكرهم أعلاه على أن قصص بورخيس، كما وضعها ماركيز، في خانة الأدب التهربي. ومن المؤكد أن قصص بورخيس الخيالية، تبدو للوهلة الأولى نائية جداً عن الواقع الذي نعيشه. إن عوالمه الخيالية ورواياته اللاوجودية وفلسفاته ومناظره الغرائبية لا يمكن تخيلها أو الوصول اليها، إنها بعيدة حتى عن كاتبها، حيث نكاد لا نراه فيها، تبدو أحيانا مثل شيء تكوَّرَ على نفسه وكأنه سلّمٌ لولبيٌّ لا نهاية له.
ومع هذا فإن قصص بورخيس وما تجسّد من عوالم متعددة لا يمكن النظر اليها وكأنها لا تنتمي للواقع أو أنها مناهضه له. أن قصصه لا تتحدث عن أماكن وعوالم غير موجودة وحسب، انما هي في قلب رؤيته الجمالية، وهي، كما يقول بورخيس في قصته "المعجزة السرية"، من الشروط الأساسية للفن. إن قصصه بعيدة عن غرائبيات السرياليين، وهي لا تشابه الغرائبيات التهربية لتولكين، صاحب سيد الخواتم. إن قصص بورخيس توحي وبشكل مقلق بهذا العالم، فشخصياته قد تسكن العالم القديم مثل بابل وروما القديمة، أو تسبح في فضاءات وهمية مثل مكتبة بابل أو الأنقاض الدائرية الا أن السيناريوهات القصصية ما زالت تشير الى عوالمنا الواقعية حتى لو تم بذلك بشكل غير مباشر. قال بورخيس، وفي مناسبات عديدة، أن قصصه في أساسها ذات مغزى أخلاقي، وهي تعليقات مبطنة على مشاكل الإنسان الحقيقية. عند هذه الحالة تلمح القصص وبشكل غير مباشر إلى الواقع حتى لو تحدثت عن أشياء لا واقعية. إن بورخيس لا يعتبر العناصر السحرية والخيالية من كماليات الأديب البرجوازي. إنه يعتبر السحر عنصراً أساساً في كتابة القصة. إن الواقعي لا يخلق عوالم أنما يعبّر عمّا هو موجود فعلا. انه يقمع الإبداع. ويقول إن الرواية الواقعية تحتوي تناقضا. يقول الروائي فورستر أن الهمّ الأساس للرواية، وبورخيس يوافقه على ذلك، هو السببية. إن الكاتب الذي يبني حبكته على الشخصية سيضطر للبحث عن أسباب سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة لتبرير ما يجري من أحداث. إن تتابع الأحداث بهذا الشكل يستدعي الواقعية والحديث عن العالم بشكل أمين ودقيق. إن الرواية الواقعية كما يقول تعريفها تمثل الفعل المفترض للقوانين الطبيعية. إن هذا الافتراض غير موجود في حسابات بورخيس، طالما أن للطبيعة، كما يعتقد، شبكة لا حدود لها من العلل وآثارها. للطبيعة قوى لا يمكن حصرها في القصة. ويترتب على ذلك، أن الطبيعة تصبح خارج السيطرة المعتادة. وهنا يكمن التناقض، حيث تقع الطبيعة بين الفلسفة الضمنية للرواية وقدراتها الذاتية، وبين وأهدافها ووسائلها المادية. (بورخيس 1994).
يصبح السحر، إذن، وسيلة للوضوح والقوة. فهو الرابط مع السلف الا أنه يمتاز بالوضوح والتنوع الفكري. يقول بورخيس أن السحر محكوم بجميع القوانين الطبيعية وكذلك بالقوانين المتخيلة. في هذا يقترب بورخيس من البنيوي تودوروف الذي اعتبر السببية الوهمية مجموعة من الأحداث، التي قد تبدو نتاجاً لتحاور عشوائي لمجموعة متنوعة من العناصر، الا انها مدفوعة بنظام من الأشياء هو أكبر وأكثر غموضاً وسموا. (فيلادا 1999).
وغني عن القول أن السببية الوهمية موجودة في العديد من قصص بورخيس. وهي لديه أداة أسلوبية وتوسيع مباشر لنظرته الى العالم. إن السببية، سواء كانت وهمية أو مقدسة، لها خاصية واحدة وهي فقدان الذات. إن الفرد لا يستطيع أبداً السيطرة على مصيره طالما تكمن تحت سطح كل الأحداث والأفعال شرارة الفوضى، ذلك الانفجار الصامت للقوى التي ترتب، وتعيد ترتيب، واقعنا. إن قصص بورخيس، ولا سيما أكثرها خيالية، تجسّد فقدان الذات، والصراع من أجل التصالح مع الوحي أو اكتشاف لا واقعيتنا. كتب بورخيس يقول: "دعونا نعترف بما يقر به المثاليون وهو الطبيعة المهلوسة للعالم. لنفعل ما لم يفعله المثاليون وهو البحث عن اللاواقع الذي يؤكد تلك الطبيعة. (بورخيس 1994).
سنتحدث عن ثلاث من قصص بورخيس كي نكتشف العوالم السرية التي يقطنها بورخيس برضىً. سنحاول أن نبين أن تلك القصص وعلى الرغم من طبيعتها الخفية والغامضة الا أنها ترتبط بالواقع وأنه لا يبدع أسلوباً جديداً للكتابة فقط وانما للقراءة أيضا.
لقد رأينا أن أعمال بورخيس تقع تحت خيمة المثالية لا الواقعية. إن القصص الواقعية تخفي براعتها وراء غطاء النظرة الطبيعية او المحتشمة للعالم. بعبارة أخرى، تتميز هذه القصص بأمانتها في نسخ العالم لا في خلق عالم جديد. بورخيس يعتقد، مع ذلك، أنه ومن خلال توظيفه اللغة في خدمة البراعة فهو يجسد القوة الحقيقية، لا الوعود الكاذبة، للكلمات. إن الكلمات والكتب بالنسبة له، ككاتب، هي واقع، كما هي الحال بالنسبة لأي كاتب. إن اعترافه أنه لن يقبل النمور العديدة التي يتخيلها بديلا عن الحيوان الحقيقي أنما هو اعتراف يتغلغل عميقا في ذرائع الواقعية. بدلا من إخفاء أعماله، كما يحلو لمعظم الكتاب الواقعيين، فإن بورخيس يجعلها موضوعاً لقصصه. وهو يؤكد أنه عندما يدّعي بعض الكتاب أنهم يكتبون عن العالم من خلال تجارب عاشوها، إنما هم في الواقع يستعملون نسخة ثانية من تلك التجارب من خلال أدب الفترة أو المرحلة التي يعيشون فيها. يوضح رولان بارت، في كتابه S/Z، في هذا الصدد، إن الواقعي يعتمد اعتماداً كبيراً على المخزون الثقافي للفترة التي يعيش فيها أكثر من اعتماده على مقابلة أشخاص حقيقين أو التواجد في أماكن حقيقية.
إن الواقع عند بورخيس يقع خارج الأدب واللغة. إن الكاتب غير مهتم بمحاكاة الواقع، الا أنه مهتم بمحاكاة العرف. كيف يمكن التوفيق بين الكلمة والشيء، بين التجريد والواقع؟ لا يمكن ذلك كما يقول بورخيس، لذلك فإنه يستخدم التجريد بديلاً للواقع في الأدب. لذلك يصبح عقل الكاتب واقعه المطلق. ويمشي الكاتب عبر هذا الواقع ويعاني داخله ويتصارع معه ويستمتع به ويستنفذ جميع احتمالاته.
إن واقع بورخيس يعتمد على الافتراضات المسبقة وهي افتراضات ضمنية. إنها تصريحات محتملة نحن ملتزمون بقبولها إذا قبلنا التصريحات التي افترضتها سابقا.
في مقالته المعنونة الفن القصصي والسحر(2001) يقول بورخيس إنه من أجل القبول بقصيدة وليام موريس المعنونة "حياة وممات جيسون"، على الكاتب أن يثبت احتمالية الوجود الحقيقي للقنطور. ويضيف بورخيس أنه عبر البراعة وبقية الحيل اللغوية والإدراكية يحقق موريس المستحيل في استخدام الشعر الغنائي لتحقيق تعطيل مقصود للإيمان من أجل إثبات ان القنطور ومغامرات جيسون هي حقيقية.
وقصص بورخيس مليئة بالقناطير، لكن لا يلاحظها أحد بسبب براعة أسلوب الكاتب. إن هذه الأساليب توحي، دون التظاهر أنها تمثل حقيقتها، بأن الواقع الذي نعرفه هو أكثر تعقيداً من أي تجسيد لذلك الواقع. لذلك يُترك الأمر للّغة للإيحاء بذلك التعقيد. إن واجب اللغة هو أن تضخ (من خلال الحلم) في الوجود احتمالية المستحيل. في هذا الحلم تصبح احتمالات الواقع والمتوقع كثيرة لا تحصى. ويصبح الحالم هو الحلم. (بتلر 2010)
إن هذا الأمر واضحٌ جداً في قصة "الأطلال الدائرية". يحلم ساحر برجل ويريد نقله الى الواقع. وبعد عدة محاولات ينجح أخيرا، ولكن نقله الى الحياة مرهون بمساعدة آلهة النار، التي كانت تُعبَد في السابق في معبدٍ تحول الآن الى خربة، وهي ذاتها المكان الذي يفكر به الساحر بمشروعه. في مقابل المساعدة التي تلقاها الساحر يرسل رجله الجديد وهو ابنه في الأساس، الى معبدٍ مهدّم آخر ليعبد آلهة النار. وينتابه القلق من أن ابنه قد يكتشف حقيقة أنه كان يحلم، لأنه يسمع بشائعات عن رجل يستطيع المشي على النار دون أن يحترق. بعد عدة سنوات، وعندما تحيط الحرائق التي التهمت الغابة بمعبده، يمشي في النار دون أن يصاب بالأذى. بعدها يدرك وقد أصابه الرعب أن هو، أيضا، وهْمٌ، وأنّ شخصاً آخر كان يحلم به. إن القصة تذكرنا بأحد أفكار الفيلسوف هيوم التي ترى أن البشرية ليست سوى مجموعة من التصورات المختلفة، والتي يتبع أحدها الآخر بسرعة كبيرة. إن التحولات الدائرية للحالم والحلم، أو أن تَحلُم أو أحدٌ يَحلُمُ بكَ، قد أشار اليها المؤلف في افتتاحية القصة، في الفكرة الناقصة التي يوحي بها حديث القزمين الى آليس في أنها جزء من حلم للملك الأحمر في الوقت الحاضر "أذا توقف عن الحلم بك...." تتواجه آليس الآن مع لاواقعيتها، ان يحلم بها احد يعني انها لا شيء. وهذا بحد ذاته نكوص لذيذ وكبير طالما ان الملك الأحمر هو جزء من حلم آليس. طالما أن الواقع هو مجرد نتاج لحلم حقيقي، فإن احتمالية أن مكاننا في ذلك الواقع قد حلم به شخص أخر يجعل محاولة وصف العالم من خلال الأدب غير مجدية. لذلك يصبح الكون أو الواقع عبارة عن فوضى من الانطباعات يكون فيها كل ما يشبه النظام مفروضاً او عشوائيا. ويختتم المؤلف:
ومن الواضح أن جميع تصنيفات الكون تعسفية أو عشوائية، ولسبب بسيط جدا: نحن لا نعرف ما هو الكون... يجب أن نذهب إلى أبعد من ذلك.. يجب أن نشككك بوجود كون في الإحساس العضوي والموحد الموجود في تلك الكلمة الطموحة. وإذا كان موجوداً علينا أن نحزر غايته، يجب أن نحزر كلمات قاموس الخالق السري وتعريفاته وأصول كلماته ومرادفاته. إن استحالة اختراق المخطط المقدس للكون لا يمكن أن يثنينا عن تحديد مخططات الإنسان، على الرغم من أننا ندرك أنها مخططات مؤقتة (2001، 231).
يحاول بورخيس إذن ومن خلال فنه خلق عالم ننظر اليه عبر زجاجة، ويضعه بديلا لعالم الواقع. إن وجودنا يخلق عالم الواقع، مثل الصور في المرايا: غير دائمة وغير واقعية وغامضة الغاية. هذا، بطبيعة الحال، ليس من اختراع بورخيس لكن له جذور فلسفية في أعمال بيركلي. يرى بورخيس أن إنكار بيركلي للواقعية الموضوعية لا يمكن دحضه، ويرى أيضا أن من السهل فهم ذلك وقبوله. ويقترح بورخيس تشبيه المرآة: يقول بورخيس بالنسبة لإنكار الوجود المستقل للكائنات الحية، فإنه من السهل أن يتوافق المرء معها من خلال التفكير أن الواقع يشبه صورتنا التي تظهر في جميع المرايا، صورة زائفة لنا موجودة من أجلنا، وتصل معنا، وتومئ وتغادر معنا، لكن علينا ان ننظر في المرآة لنراها.
لا يقرّ بيركلي بوجود المادة. هذا لا يعني أنه لا يقرّ بوجود أشياء مثل الألوان والروائح والأذواق وحاسة اللمس. وقد أنكر بيركلي وجود آلام لا يشعر بها المرء، أو ألوان لا يراها أو اشكال لا يلمسها. وقال إن إضافة المادة الى التصورات هو إضافة عالم آخر غير صادق أو حقيقي للعالم. ينقل بورخيس آراء بيركلي واستنتاجاتها ونتائجها المنطقية الى مجال الإبداع الأدبي لخلق أدب لا يتحرك داخل العالم اليومي أنما في عالم الواقع الميتافيزيقي. وبينما قال بيركلي، وهو يتحدث عن الوهم أنه كان يصف العالم الحقيقي، فإن توظيف بورخيس الأدبي لأفكاره يبين لنا أن العالم الذي يقدمه قد يكون لا واقعياً بنفس الدرجة التي يحاول فيها تقويضه. إن هذه الواقعيات تلغي إحداها الأخرى (ديديه جان 1992). وبعبارة أخرى، مثل الساحر الذي يعتقد انه خالق ليكتشف أنه نفسه مخلوق، إننا نعيش تحت رحمة مرعبة لنكوص لا ينتهي.
في جذور هذه القصة يكمن موضوع الخلق الذي يرتبط بالتكرار الدائري للحلم. إن الحلم يتطلب حالماً، والخلق يتضمن خالقاً. يقول بورخيس ان الكلام ينطوي على لغة، والحلم ينطوي على حالم، وهذا، بطبيعة الحال، يؤدي إلى سلسلة لا نهاية لها من المتحدثين والحالمين، اي نكوص لا يعرف النهاية. يقول الراوي في قصة الخالد:
من بين النتائج الطبيعية للمبدأ الذي يقول إنه لا يوجد شيء لا يقابله شيء آخر، هناك مبدأ ليس مهم نظرياً إلا أنه دفعنا، في بداية أو نهاية القرن العاشر، الى الانتشار على وجه الأرض ويمكن تلخيصه في هذه الكلمات: هناك نهر مياهه تمنح الخلود، وفي مكان ما يجب أن يكون هناك نهر آخر تسلب مياهه ذلك الخلود. (2001، 15).
إن احتمالية ان يكون النهر التالي الذي تتوقف عنده لشرب الماء قد يكون هو النهر الذي يسلب الخلود، هي احتمالية تجعل من الواقع مجرد لعبة حظ، مع عدم وجود نهاية لهذا الكابوس من الاحتمالات. يقول بورخيس إن القول الدارج بـ"أن العالم مليء بالاحتمالات" ما هو الا لعنة، لذلك أصبح قولاً دارجاً واحتُجز في عالم اللغة مثل راهبة في كنيسة. ويقول الراوي في مكان آخر من القصة: "كل شيء في عالم غير الخالدين لديه قيمة طارئة ولا يمكن استردادها. وفي عالم الخالدين، من ناحية أخرى، كل قانون (كل فكرة) هو صدى لغيره من القوانين او الأفكار التي سبقته في الماضي، دون بداية واضحة، وهو إنذار صادق لقوانين وأفكار ستعيدها في المستقبل وبشكل متكرر".
إن التكرار المستمر يمثل الاحتمالات اللغوية التي لا نهاية لها. إن اللغة هي التي تجعل الأشياء طارئة ولا يمكن استردادها. أن ذلك يساهم في مغزى بورخيس الرامي إلى تقويض كل ما هو فردي من شخصية وذات ومعنى ومصير.
هذه النظرة الى العالم تظهر أولا في مقالٍ له بعنوان "عدمية الشخصية" (2001، 3):
"أريد هدم التفوق الاستثنائي التي تتمتع به النفس حاليا، وأتعهد أن لا يثيرني الا اليقين المادي، لا نزوة الكمين الايديولوجي أو الخدعة الفكرية المبهرة. أريد أن أثبت أن الشخصية هي سراب يستمد ديمومته من العرف والغرور، دون أي أساس ميتافيزيقي أو واقعية غرائزية. أريد أن أطبّق على الأدب ما يهبّ من تلك الأنحاء، وأقيم عليها جمالية معادية للنفسية الموروثة من القرن الماضي، هي جمالية متعاطفة مع الكلاسيكية، ولكنها تؤيد نزعات الحاضر الجامحة".
إشارته في السطر الأخير إلى الكلاسيكية مهمة لأنها تشير الى اهتمامه بالأدب باعتباره شكلاً وخلقاً، خلافاً للمفهوم الرومانسي للأدب باعتباره تعبير عن الذات أو الشخصية. ولأن بورخيس لا يؤمن بصلابة الشخصية، فهو يشكك في فكرة تطوير الشخصية في الأدب. إن الشكل هو، في حد ذاته، الكون، وهو كوكبة الوجود، وأن الاستمرارية الفنية أو الإبداعية لا تتحقق الا من خلال عرض الشكل. ويقول بورخيس:
"أكرر: لم يكن هناك، وراء الوجه، سرّاً يتحكم بأفعالنا أو يتلقى انطباعاتنا. ما نحن الا سلسلة من هذه الأفعال الوهمية وتلك الانطباعات الخاطئة. ما هي السلسلة؟ وإذا أنكرنا المادة والروح، التي هي الاستمرارية، وإذا كان لنا أن ننكر أيضا المكان، ماذا نقول عن استمرارية الزمن؟". (بورخيس 2001/321).
إن بورخيس يشير هنا الى كل من بيركلي وهيوم. انكر بيركلي المادة وأنكر هيوم الروح (بورخيس 2001/328). أي أن الإنسانية بجوهرها هي العدم. وبالتالي فإن المفاجأة الأخيرة في الآثار الدائرية، في أن الساحر كان حلم شخص آخر، لا توحي فقط بأن النفس وهمية، ولكن أيضا أن القصة التي قادتنا الى تلك المفاجأة هي وهمية، أو لا معنى لها. إنه الثعبان الذي يأكل ذيله. هذا هو معنى بورخيس عندما يصر بعناد أن لا معنى لقصصه.
ومع ذلك، يمكننا أن نذهب أبعد من ذلك بكثير. بينما يبين لنا بورخيس في الآثار الدائرية، أن النفس وهم، وهو يعتقد أن الأنا لا تعني فقط شيئا واحدا إنما كل الأشياء التي في الكون وهي لا تعني شيئا أيضا. ويضيف أن "الرجل ليس مادة أو شكلاً أو انطباعاتٍ أو أفكاراً أو غرائزَ، أو وعياً .أنه لا يمثل مجموع هذه الأشياء كما أنه لا يتواجد خارجها". (الشخصية وبوذا 2001/348). إنه لا ينفي الذات فقط، ولكنه ينفي جميع الأشياء، بما في ذلك نفي النفي. يحاول بورخيس هنا أن يساوي وحدة الوجود مع نفي الشخصية، لأن وحدة الوجود تمثل التشرذم وتفكك الألوهية.
إن الفكرة المركزية في وحدة الوجود هو أن العالم انعكاس للإله أو العالم المتسامي. لذلك تغرق اللاواقعية تنوع العالم الذي يشير إلى وحدة جوهرية بارزة. يوظف بورخيس مفاهيم عدة للعالم، أحيانا العالم الذي يمثل انبثاقاً فكرياً أو لفظياً للخالق، كما في الفلسفة الكابالية اليهودية، أو العالم الذي يمثل الإرادة كما عند شوبنهاور، أو العالم كحام لبوذا كما يعتقد البوذيون، هذه المفاهيم تجدها عند بورخيس ليوحي في قصصه بفراغ العالم وتفاهته بينما يؤكد في الوقت ذاته على وحدة العالم الأساسية والمساواة بين أجزائه. (كريست 1995).
في قصته المعنونة "كتابة الإله" يُسجن تزيناكان وهو ساحر وكاهن هرم كاهولوم في زنزانة يقسمها جدار من القضبان الحديدية الطويلة الى قسمين. ويشاطر تزيناكان قسمي الزنزانة مع نمر. لقد عذّب المحتل الإسباني تزيناكان لإجباره على إفشاء سر الكنز الخفي، لكنه رفض لأن آلهته لن تتخلى عنه.
يبدأ تزيناكان يحلم في السجن، مستعيداً كل ما يعرف، ويستعيد في واحد من أحلامه أن الخالق كتب في يوم الخلق الأول جملة سحرية لها قدرة على محو جميع الشرور. يتأمل تزيناكان لأشهر متواصلة ثم يتذكر أن النمر هو واحد من صفات الخالق. وشرع في فك كلمة سر من خلال جلد الحيوان المرقط. وأخيرا ينجح تزيناكان في ذلك الا انه لا يستخدم الكلمة السحرية في إنقاذ نفسه وشعبه وسحق أعدائه لأنه، وكما يقول، لم يعد يتذكر تزيناكان.
إن من رأى الكون، كل من شاهد الأشكال العجيبة للكون، لا يمكنه أن يفكر بلغة رجل واحد أو الحظوظ التافهة لذلك الرجل حتى وإن كان هو ذلك الرجل. لقد كان ذلك الرجل هو، الا انه لم يعد يعني له شيئا الآن. ماذا تعني حياة ذلك الآخر له، اذا أصبح هو الآن لا أحد. لهذا السبب لا أنطق الصيغة، لماذا أنا هنا في الظلمة تاركاً الأيام تسحقني.
لقد رأى تزيناكان الكون من خلال عيون الآلهة. في الكون، تبدو الأشياء كل واحد ولا شيء في الوقت نفسه. ومثل الساحر في قصة الآثار الدائرية يجد تزيناكان نفسه غير قادر على تغيير مصيره، حتى عندما يكون مشبعاً بالمعرفة الإلهية. إن للساحر القدرة على الخلق، لكنه لا يستطيع ان ينكر انه هو كل شيء ولا شيء. إن لتزيناكان القدرة على سحق الإسبان واستعادة أرضه وشعبه، لكنه شهد العمليات اللانهائية "التي شكلت سعادة واحدة ويصبح تزيناكان تجسيدا للجمود. (موللي 1993).
يوظف بورخيس مواضيع كونية، أحياناً يصف البعض هذا التوظيف بالفنطازي او العادي، خاصة موضوع ضعف الإنسان أمام قوى الكون وفقدان الذات. بالتأكيد لقد تناول العديد من الكتّاب هذه الموضوعات، على سبيل المثال كافكا الذي يعتبر أفضل من تعامل معها وكثيرا ما يقارن ببورخيس. وبينما يكتب كافكا من الخارج وهو ينظر الى الداخل، يكتب بورخيس من الداخل وينظر إلى لداخل. إن بورخيس وهو يضع المبدأ المثالي الذي يقول إن المادة والروح هما وهمُ موضعِ عالم اللغة وكتابة القصة إنما يمنح نفسه الفرصة لاستنزاف جميع فرص العمل الإبداعي.
باستخدام التجريد، الذي يعتبره بورخيس واقعية الأدب، يطيل بورخيس عمر كتابة القصة، ويسمح للغة باستكشاف خبايا النفس البشرية ووصفها. إن أدبه الاستنزافي هو صمتٌ يأتي مع وقع انقطاع كل صلة بين اللغة والواقع. ومثل نابكوف يحول بورخيس الفن إلى فن مضاد أو صمت، يقدم لنا مزاج النهاية. (ويلسون 2006) عندما يكتشف المرء أن لا شيء عنده ليقوله فإنه يحاول قول ذلك.
إن الصمت الذي يتجسّد في أعمال بورخيس هو الصمت الذي ينتج من تخريب الأدب لنفسه واستنزاف إمكانياته الخاصة. على هذا الأساس يختلف أدب الاستنزاف عن القصة الخيالية، لأن هذه الأخيرة تسعى إلى تجاوز نفسها. هذه الرغبة في تدمير الذات تنبع، حسب ما يراه بورخيس، من رأي ويليام موريس الذي يقول إن قصص مخيلة الإنسان الأساسية قد حُكيت منذ أمد طويل، وإن عمل القاص الآن ينحصر في إعادة التفكير بتلك القصص وإعادة حكايتها.
إن أدب بورخيس يدور حول الأدب. إن كتاب هذا النوع من الأدب يبنون هياكل اصطناعية، بدلاً من كتابة شكل ذي معنىً يحتوي تفاصيل ذات معنى عن عالم متخم بالمعاني. هؤلاء الكتاب لا يهتمون لا بالحبكة أو بالشخصية. ويمكن معرفة سبب كتابة بورخيس للأدب الاصطناعي في قصته مكتبة بابل ذات الأسلوب المقالي:
"وكَثُر في ذلك الوقت، الحديث عن التبريرات: كتب المدح والنبوءة التي كانت تبرّر على الدوام أعمال كل إنسان وتحتفظ بأسرار هائلة لمستقبله. هجر ألوف الطماعين سداسياتهم المريحة حيث نشأوا وانطلقوا يصعدون السلالم، يدفعهم تصميم عقيم على العثور على تبريرهم. كان هؤلاء الرحالة يتنازعون في الممرات الضيقة، ويُطلقون لعنات غامضة، ويتقاتلون على السلالم الالهية، ويقذفون الى قعر الأنفاق بالكتب الخادعة، ويلقون حتفهم على أيدي أناس من المناطق البعيدة. وأُصيب آخرون بالجنون... والتبريرات موجودة (عرفت منها اثنين يتعلقان بشخصين من المستقبل، شخصين غير وهميين ربما)، لكن الباحثين لم يعوا أن احتمال أن يحصل المرء على تبريره، أو حتى على بديل خادع، يقترب من الصفر". (هنري فريد صعب، 2008)
إن العالم لا ينضب، ولا يمكن فهم أي انسان بشكل كامل، كما يوحي لنا بورخيس، وهذا يذكرنا بمفهوم ادموند هوسرل للجهل المطلق للذات، وإنها، أي الذات، مثلها مثل بقية الواقع اليومي، غير واقعية. نعود الى القصة:
"هناك باحثون رسميون، محققون. شاهدتهم وهم يقومون بمهامهم: يصلون دائماً منهكين؛ ويتحدثون عن سلّم بلا درجات كاد يودي بهم؛ يتحدثون عن القاعات والسلالم مع أمين المكتبة؛ أحياناً يتناولون الكتابَ الأقرب اليهم ويتصفحونه بحثاً عن كلمات شائنة. والظاهر، أن لا أحد يتوقع أن يكتشف شيئاً". (هنري فريد صعب، 2008).
إن الكون الذي يسميه بورخيس مكتبة بابل، هو أزلي لأن كل ما يمكن أن يكتب عنه قد أنجز. إن المكتبة موجودة منذ الأزل، والرجل هو موظف المكتبة غير الكامل الذي يبحث عن فرصة أو الكلمة الرذيلة، الا أنه لا يدرك أنه هو، أيضا، نتاج الصدفة أو آلهة حاقدة. علاوة على ذلك، ولأن المكتبة لا يمكن أن تكون الا من عمل الآلهة، كما يزعم بورخيس في القصة، فإن من يحاول أن يرائي أو يحاكي البناء الالهي يتحول الى شخصيات مثيرة للشفقة "في المراحيض، ومعهم أقراص معدنية في أكواب زهر اللعب المحظور، ويقلّدون بصعوبة الفوضى الإلهية". "هنري فريد صعب، 2008).
وبعبارة أخرى، عندما يكون الكون أزلياً، فإن ما نفهمه عن ذلك العالم من خلال اللغة هو محدود. إن المكتبة كما يقول " غير محدودة ودائرية". واذا قدر لرحّالة أبدي ان يجتازها في أي اتجاه، فان القرون ستظهر له ان المجلدات نفسها تتكرر دائما في الفوضى نفسها، التي إن كررت تصبح نظاما: النظام بالذات. وما يعزي وحدتي هو هذا الأمل الرائع". (هنري فريد صعب، 2008)
إن أكوان بورخيس هي كيانات لا حدود لها، ومتعددة الأشكال، عبر أزمان وأماكن متعددة، لا حدود لها سوى لغة بورخيس وخياله. إن الواقع موجود خارج هذه المعادلة، لا ثقل له سوى الوقائع التي نخلقها في عقولنا عندما نقرأ، على سبيل المثال، عن كاهن اسمه تزينكان الذي كشف النقاب عن شفرة الخلق بواسطة الأشكال الدائرية غير المرئية على جلد النمر. إن العجلة التي اكتشفها تزينكان والتي فسّرها في عقله هي في الواقع العجلة التي تبنيها عقولنا من المخزون الثقافي المتاح لنا. لسنا بحاجة لأن نعرف أن بورخيس قد اقترض فكرة عجلة الحياة من بوذا، لأننا نعرف ذلك من واقعيتنا الداخلية الغامضة والمشوشة والتي تتجمع مثل الحشرات حول مصدر الضوء، ونستطيع من خلالها استعادة ما نحتاجه. إن ألعاب بورخيس تشمل القراء أيضا. نحن القراء متآمرون عن غير ذي قصد في ألغازه المحيرة.
وعلى الرغم من العناصر السحرية لدى بورخيس فهو ليس واقعياً ساحراً. وبشكل أكثر دقة إنه ناقد أدبي ومنّظر. الا أنه لا ينظر للقصة القصيرة كشكل أدبي. إنه، بدلا من ذلك، ينظر للكتابة. وعندما نقرأه بهذه الطريقة سيغدو كل شيء واضحا.
إن بورخيس يعبّر فقط وفي شكل أدبي ما نعبّر نحن عنه وفي شكل نُتفٍ غامضة من الواقع الاجتماعي والثقافي. إنه ينطق بما يجول في دواخلنا، للنظام الفوضوي الذي يميز أحلامنا. ومثل هذا الحلم ينسج قيودا رقيقة حول الحالمين. وربما كان ذلك هو هدف بورخيس في نهاية المطاف - الوصول الى نقاء الشكل، سواء في الفهم أو التعبير. ويهدف من وراء ذلك النقاء تحقيق صدىً معرفيٍّ داخل تجربة القارئ، لمحاكاةِ متوالية حلمٍ ولتوسيع نطاقِ حدود واقعٍ يتهالك لغويا. إنه يفرض علينا، كتّاباً وقرّاءً، مواجهةَ الأدب باعتباره مرآة (نقيضة) الكون.
في نهاية المطاف، ربما أراد بورخيس القول أن الإبداع الأدبي لا يختلف عن قراءة ذلك الإبداع. وربما أراد القول أن جميع أفكارنا هي لعبة حظ تشير إلى حقيقة واحدة أساسية – أن الأشياء التي نحلم بها قد حلمت بنا من قبل.
مراجع:
خورخه لويس بورخيس: مكتبة بابل. ترجمة هنري فريد صعب. النهار الثقافي. 28 يوليو.2008
Bell-Villada, Gene: Borges and His Fiction: A Guide to His Mind and Art. University of Texas Press. 2000
Bloch, William Goldbloom: The Unimaginable Mathematics of Borges' Library of Babel. Oxford University Press. 2011
Borges, Jorge Luis: A Personal Anthology Publisher. Grove Press. 1994.
Borges, Jorge Luis: The Total Library. Penguin Books. 2001
كلية البيان /مسقط