الأدب الكوري الحديث

محمد نجيب السعد قرأها 1,397

الأدب الكوري الحديث - محمد نجيب السعد

وجدت الأمة الكورية نفسها في بداية القرن العشرين على مشارف مخاض من التحولات الاجتماعية والسياسية. أن الحركات التي كانت قد بدأت في وقت متأخر من القرن التاسع عشر، واصلت هدمها للنظام الإقطاعي لسلالة تشوسون القائم على المثل الكونفوشيوسية في الحكم، في محاولة لأرساء أسس الدولة الحديثة. أن تصارع هاتين الرؤيتين جعلت من المرحلة الانتقالية عسيرة جدا بعد ان واجهت جهود التحديث المبكرة مقاومة عنيفة من مختلف شرائح المجتمع الكوري المتمسكة بالقيم التقليدية. الا أن المخاطر الخارجية كانت أكثر تهديدا لسلامة الدولة الكورية. في العقد الأخير من القرن التاسع عشر كانت الصين واليابان وروسيا تحاول الهيمنة على منطقة في شرق آسيا في سلسلة من الحروب دارت رحاها على الأرض الكورية. أن الانتصار الياباني في تلك الحروب مهدت الطريق أمامها للتوسع في المنطقة. ونتيجة لذلك فأن محاولات التحديث في كوريا قد تعطلت بعد أن ضمت اليابان كوريا الى أراضيها في العام 1910.

يجب أن يدرس الأدب الكوري الحديث في السياق التاريخي لحركة وليدة تروم تحديث المجتمع وإسقاط النظام الاجتماعي-السياسي التقليدي، وسط تجربة مريرة مع الأحتلال الياباني. في نهاية القرن التاسع عشر كانت الأوضاع الاجتماعية والثقافية القائمة مهيئة للتوسع الثقافي: انتشرت الكتب والصحف الكورية التي تستخدم اللغة الكورية بدلا من الكلاسيكية الصينية على نطاق واسع، وأصبحت في متناول القارئ العادي. وعلاوة على ذلك، فأن بوادر الثقافة الغربية الحديثة ومؤسسات المجتمع البرجوازي فتحت أفاقا جديدة لفهم العالم ودور الفرد فيه.

يعتبر الأديبان تشو نامسون ويي كوانجسو رائدا الحركة الأدبية الحديثة في كوريا. في عام 1908 نشر تشو نامسون قصيدة " من البحر للأطفال" في مجلة " أطفال " وهي أول مجلة أدبية هدفت الإصلاح في الساحة الثقافية الكورية. أستلهم تشو نامسون قصيدته من أجواء قصيدة اللورد بايرون المعنونة "رحلة تشايلد هارولد" ليحتفي في لغة رجولية صافية بقوة الشباب الذين سوف يقومون بالثورة الاجتماعية والأدبية المطلوبة.أمتازت القصيدة بأستخدام أدوات التنقيط، والمقاطع الشعرية غير متساوية الطول، والإشارة إلى البحر والأطفال، وهي أمور نادرة في الشعر الكلاسيكي الكوري. الا أن تشو نامسون ومعاصريه من الشعراء لم ينجحوا تماما في التخلص من قيود الشعر التقليدية أو تحديث أدوات الشعر. وكتب يي كوانجسو قصصه التي صورت شخصيات تعتنق الحضارة والعلم الغربيين، كتبها بأسلوب نثري يلامس الخطاب اليومي للإنسان العادي. وحقق يي كوانجسو شهرته من روايته المعنونة "متحجرو القلب" 1917 التي تعتبر أول رواية كورية حديثة.

في عام 1919، وقبل وقت قصير من ثورة لم يكتب لها النجاح للتحرر من الاحتلال الياباني، بدأت ترجمات لبعض الشعراء من أمثال بول فيرلين، ريمي دي جورمونت، وستيفان مالارميه تؤثر بشكل ملحوظ على الشعر الكوري. وساهم كيم أوك، المترجم المعروف، في نقل أجواء المدرسة الرمزية الفرنسية الى الشعر الكوري فعرفت الإيحائية والعفوية والحرية التامة طريقها الى ثنايا قصائد الشعراء الكوريين.ووضع كيم أوك الشاعر مالارميه في مواجهة النزعة الوعظية التي كانت تغمر الشعر الكوري، ووضع فيرلين في مواجهة العاطفة المفرطة والخطابية المنمقة ليقول في النهاية أن الشعر الحر كان أحد أعظم مخترعات المدرسة الرمزية. ووصل أعجاب كيم بالرمزية الى أقصاه مع نشر كتاب "رقصة الألم" 1921 الذي ضم اول ترجمة كورية للشعر الغربي. أن الجمال الغريب والكئيب للخريف وعبارات الألم والعذاب والتقاط التجربة الشعرية في أقصى نعومتها وارتعاشها ورهافتها، كلها أمور جذبت الشعراء الذين أرادوا منفذا للتعبير عن خيبة املهم الكبيرة نتيجة لفشل الثورة.

وظهرت بوارد المدرسة الطبيعية في عشرينيات القرن الماضي على يد مجموعة من الكتاب الشباب الذي تجمعوا حول تعريف جديد للواقعية الكونية. كان يوم سانج سوب، الذي أعتبر الطبيعية تعبيرا للذات المتيقظة، سباقا في توظيف التحليل النفسي والتوثيق العلمي في قصصه. وقال سانج سوب أن غاية الطبيعية هي كشف الجوانب القذرة للواقعية، خاصة الحزن وخيبة الأمل، الناجمة عن انحطاط السلطة وتهاوي الرموز.و ظهرت العديد من الأعمال القصصية الطبيعية ذاتية الروي (مروية بضمير المتكلم) تحول فيها الكاتب الى موضوع لدراسة الحالة. أن التنافر بين الكاتب والمجتمع كثيرا ما يدفع الكاتب الى اللجوء الى الطبيعة؛ وشكلت الأرض والبسطاء من الناس المصدر الرئيس للعديد من القصص المشهورة التي كتبت مستلهمة زولا والمدرسة الطبيعية، على سبيل المثال "نار 1925" بقلم هيون شينجون و"بطاطا 1925" لكيم تونجين.

وعجت فترة العشرينيات بالعديد من الشعراء المشهورين، حيث أصدر هان هونجون ديوان "صمت الحب 1926" الذي أحتوى على 88 قصيدة غنائية. وحاول الشاعر عبر الشعر البوذي التأملي أن يلقي الضوء على موضوعة الاحتلال الياباني.ووظف كيم سوول البساطة والوضوح والأقتضاب في قصائدة الشعبية الطبيعية من أمثال العديد من قصائده في ديوان "النبتة الصحراوية 1926".

واضطر المحتل الياباني الى فرض المزيد من القيود بعد أن دخل الجيش الياباني الى الصين في 1937، وأصبح الفقراء داخل كوريا وخارجها، خاصة الموجودين في منشوريا الصين، الحديث الشاغل لشعراء "الاتجاه الجديد"، ذوي النزعة البروليتاريا الذين عارضوا بشدة كتابات المرحلة الرومانسية المنحلة. وشدد أعضاء أتحاد الفنانين البروليتاريين الكوريين الذي تأسس في 1925 على أهمية الدعاية وأعتبروا الأدب وسيلة من وسائل أقامة النظام الأشتراكي.

و بلغ الأدب الكوري الحديث النضج في فترة الثلاثينات من القرن الماضي من خلال الجهود التي بذلتها مجموعة من الكتاب الموهوبين الذين أخذوا الكثير من النماذج الغربية من خلال الترجمات العديدة لتلك النماذج، خاصة ريتشاردز واليوت وهيوم. وجاءت هذه الفورة الأدبية ردا على التوجه اليساري الذي أعتبر الأدب، كما قلنا، كوسيلة لنشر الفكر الأشتراكي.

ويمكن أعتبار تشونج تشيونج شاعر كوريا الحديثة والذي تاثر بشكل كبيربالشاعرين ويليام بليك، ووالت ويتمان. أن ديوانه الثاني المعنون" بحيرة الغزال الأبيض 1941" يجسد وعلى نحو رمزي مسيرة الروح صوب الألق وتوحد الأنسان والطبيعة. وكتب يي يوكوسا ويون تونججو شعرا مقاوما مشبعا بالأسى لما آلت اليه أمور بلدهم، لكنه شعر ذو نبرة تحدي تجنب العنف والكراهية.في قصيدة " القمة 1939" ليوكوسا صور الشاعر لحظات تنذر بالخطر القريب تاركا المجال واسعا للقاريء للتفكير بالمصير المحتوم. أما قصائد تونججو فتصور على نحو دقيق حالة الأذلال التي كانت تعيشه كوريا في ظل الاحتلال الياباني.

وتشكلت قصة الثلاثينيات من الفراغ الذي ولده حل أتحاد الفنانين البروليتاريين الكوريين في 1935.أضطر عدد من الكتاب، بسبب الحظر على تناول القضايا السياسية والاجتماعية، أضطروا الى العودة الى الطبيعة أو الموضوعات الجنسية.و أضطر أخرون الى اللجوء الى متاهات التصوف البدائية، والخرافات، والشامانية ؛ في حين صور أخرون شخصيات رمزية معاصرة مهزومة ووحيدة. في أوائل الأربعينات منع اليابانيون جميع الكتابات باللغة الكورية. وكثفت الرقابة، التي كانت قد بدأت مع ضم اليابان لكوريا في عام 1910.

تحررت كوريا في أغسطس 1945، وأنشئت جمهورية كوريا بعد ثلاث سنوات. وشهدت الساحة الأدبية أحياء الجدل بين اليسار واليمين الذي قد احتدم في أواخر العشرينات وأوائل الثلاثينات من القرن الماضي. وكانت هناك تجمعات متنوعة، معظمهم من الكتاب اليساريين المتشددين، مثل يي كييونج وهان سوريا.

أن تحرير كوريا عام 1945 خلق بيئة مثالية لكتابة الشعر من جميع الأنواع.بعضهم أرادوا أن يكونوا شهودا على عصرهم، والبعض سعى إلى استيعاب المزيد من القيم التقليدية الكورية، بينما مال أخرون صوب الأدب الغربي للأستزاده منه في أغناء تجاربهم الشعرية.أن سو تشونججو وباك توين معروفان بمساهماتهما الجادة في الشعر الكوري الحديث. يعتبر سو تشونججو الأكثر كورية بين شعرا ء كوريا المعاصرين بمحاولاته أستكشاف المكامن الخفية للغة، في حسيتها وروحانيتها وغنائيتها وعاميتها. وأمتاز شعر باك بمزاجيته المتقلبة، وله لغة وأسلوب نقلتهما نغمة مميزة خلطت المسيحية والقومية. تميزت قصائده بتعقيدات صوتية وايقاعات سحرية تشربت بوعي تاريخي وثقافي قوي لتشهد على وقائع العصر.

وساد أنقسام كوريا بعد الحرب الكورية موضوعات القصة الكورية. أن خط العرض 38 جلد ضمائر جميع أبطال القصص التي كتبت بعد العام 1950، لأنه لم يعد رمزاً للمحنة الكورية فقط، انما تحول الى رمز لأنقسام البشرية وأغتراب البطل.و حاول البعض تجسيد هذه الأوضاع من خلال الشعر المنثور وفتش لبعض الآخر في ضمير الجيل الحرب الضائع أو الخامل أو في خداع الذات أو في الملل الذي ساد جيل الأغتراب في الستينيات. ودرس البعض الهزيمة والأنقسام. ودرس آخرون الطرق التي يتنكر فيها المجتمع الحديث الحرية والفردية. ويعتبر باك كيونجني من البارزين الذين كتبوا روايات سطرت تواريخ العوائل والأجيال ؛ وقد لقيت رواية " الأرض 1969" ترحيبا كبيرا لأسلوبها الآسر وتقنيات السرد.

في الربع الأخير من القرن العشرين أتقنت مجموعة من الكتاب الموهوبين أساليب خاصة بها. ووظف الشاعر تونجيو هوانغ، على سبيل المثال، مواد من تجاربه الخاصة ومن المأزق المشترك للشعب الكوري، معبرا عما يعرفه الأخرون لكنهم لا يريدون أو لا يقدرون على البوح به. ويعتبر الروائي يون هونجيل مثالا آخر للكاتب الذي يستخدم القصة لفهم ذاته والآخرين. يقول هونجيل في روايته " السحر المطري 1973"، على سبيل المثال، أن الخلافات الأيديولوجية التي فرضها التاريخ على الشعب الكوري يمكن التغلب عليها إذا نقب الكوريون في تقاليدهم الأصلية التي أعطتهم التماسك والوحدة.

أن حركة المسرح الحديث التي بدأت في عام 1908، شهدت صعودا وهبوطا لعدد من الفرق المسرحية الصغيرة، مثل تي أورهو، التي تشكلت في عام 1923، وجمعية البحوث المسرحية التي تاسست في عام 1931. وأستطاع أعضاء الجمعية عبر مسرحهم التجريبي، تقديم مجموعة من المسرحيات الغربية المعاصرة وشجعوا كتابة مسرحيات كورية، على سبيل المثال مسرحية "كوخ طيني 1933 " ليو تشيجين. أن ندرة الكتاب والنصوص والممثلين الجيدين، علاوة على الفقر والافتقار إلى الدعم الحكومي، كلها أمور حدت من النشاط المسرحي في القرن العشرين. ومع ذلك، استمرت الفرق والمؤلفون في تقديم المسرحيات المحلية والتاريخية.

+++++++

المصادر

Special Thanks to HE the Ambassador of the Republic of Korea inMuscat for his support.

Yi Nam et al. 20thCentury Korean Literature. Translatedinto English by Youngju Ryun.

Byoung-WukChong & Peter H. Lee. Modern literature: 1910 to the end of the 20thcentury

المرآة للشاعر يي سانج ( 37-1910)

لا صوت في المرآة،

وربما ما من عالم أهدأ من المرآة.

وفي المرآة أذناي أيضا

أذنان مثيرتان للشفقة لا تستطيعان سماع كلماتي.

أبدو أعسر في المرآة

لا أستطيع رد المصافحة

ولست قادرا على لمس من في المرآة.

كيف لي أن أقابله؟

***

صرخة للشاعر كيم سوول (34 -1902)

الشمس القرمزية معلقة فوق التلال الغربية.

قطيع من الغزلان تصرخ حزينة

و فوق الجبل أجلس بعيدا

أصرخ بأسمك.

الى أن تنتابني نوبة حزن

الى أن تنتابني نوبة حزن

وتتشتت صرختي

لكن المسافة بين الأرض والسماء شاسعة

حتى لو تحولت الى حجر يرقد هنا

سأموت وأنا أصرخ بأسمك

أنت من أحببت

أنت التي أحببت.

***

نافذة* للشاعر تشونغ تشي يونغ (؟ -1930 )

شيء بارد وحزين يطارد النافذة

أنفاسي الباردة تضبب زجاج النافذة.

تخفق اجنحة الأنفاس المتجمدة، وكأنها تروض،

أمسح الزجاج، وأمسح من جديد --

الليل الداكن وحده يعود، ويصطدم بالنافذة

ونجومه الرطبة حفرت مثل الجواهر المتلألئة

أن تلميع النافذة في الليل

شأن موحش وآسر.

وبعروق رئتك الجميلة التي تنزف،

تحلق بعيدا مثل طيور الجبل.

--------------------------* في رثاء صغيره الذي مات مصدورا

***

بيت أخر للشاعر يون تونغجو (45 -1917)

في المساء الذي عدت به الى بيتي

لحقتني عظامي حتى سريري.

أندمجت الغرفة المظلمة بالكون

وهبت الرياح كأنها صوت قادم من الجنة.

لم أعرف، وأنا أحدق بعظامي التي تلألأت في الظلمة،

ما أذا كنت أنا الذي أنحب،

أم عظامي، أم هي روحي الجميلة.

كلب وفي

أستمر بالنباح طوال الليل.

أن الكلب الذي ينبح طوال الليل

كان بلاحقني.

لنذهب، لنذهب.

مثل المُطارد

لنذهب الى بيت أجمل

لا تعرف عظامي عنه شيئاً.

***

منتصف النهار للشاعر سو تشونغجو (2000 – 1915)

طريق وسط حقل من الزهور الحمر

تجلب لمن قطفها او ذاقها موت حالم.

وعبر الطريق الذي يلتوي مثل قفا أصفر

لثعبان خدرّه الأفيون

جرت حبيبتي وهي تناديني

وجريت خلفها، يملأ كفي

الدم الذي جرى من أنفي.

في منتصف النهار الحار، والصامت كما الليل،

اشتعل جسدانا.

***

طريق للشاعر هوانغ تشي يو ( - 1952)

فكرة.

الحياة طريق لا نعبرها الا بعد ان ندفع الرسوم،

الأهانة في كل مرة.

عندما تتجول، تدرك،

أن جميع المواقع الجيدة في جميع أنحاء كوريا

هي نقاط تفتيش.

***

قرية للشاعرتشو سونجهو ( - 1945 )

لماذا سحقت الأنهيارات بيوت الوادي

في منتصف الليل؟

لماذا تهاجم الدببة القرية

وتنتشر حرائق الغابة قريبا منها؟

ضجيج في منتصف الليل عندما تنار المصابيح في القرية

ضجيج في منتصف الليل عندما تصخب القرية.

في قرية الشيهم *،

زرعنا أبرا حرشفية على أجسادنا،

والمسالم منا من يغلق بابه

الا أن الدببة ستطارده حتى في أحلامه.

_______________________________* حيوان يشبه القنفذ

***

تأمل للشاعر تشانغ تشونغ ايل ( - 1962)

قصيدة كتبت بطريقة تصلح ان تكون معها وصفة لوجبة طعام عائلية

في الماضي كنت أتأمل الذهب أو الأحلام

أشياء صعبة أو شفافة.

اليوم أنا أتأمل أشياء أسفنجية أيضا.

ما سأقوم به اليوم تأمل حول عمل البرغر

تأمل بمقدور الجميع عمله دون الحاجة لمقادير كثيرة،

الا أنه مليء بالنكهة والعناصر الغذائية أيضا.

هل كان التأمل صحيا؟

في نهاية تأمل معقد، مليء بالتفاصيل والأرشادات

صنعنا برغرا على الطريقة الأميركية، لذيذة وصحية.

- كلية البيان/ مسقط