بيروت المتعدِّدة الوجوه
ما سرُّ هذه المدينة المختارة منذ القِدم منارةً لهذا الشَّرق، جميلةً بروحها، بهيَّةً بفكرها، عامرةً بتاريخها .. ومع ذلك منذورةً لأن تدفع ضريبة ازدهارها وزهوها في الحروب، في الموت، في الدَّمار، لتنهض منها مع كلِّ فجرٍ جديد، كطير الفينيق، أكثر وعوداً وأكثر رهاناً على الحياة.
ما سرُّ بيروت، هذه العاصمة المكلَّل جبينها بالغار منذ عهد الرّومان تمتحن الموت، تتجرَّب في رماده لتقوم كأسطورة الأميرة النَّائمة بقبلة حبّ، بقصيدة شاعرٍ يهزُّها من غفوتها قائلاً:
"قومي مِن تحت الرَّدم، ياستَّ الدُّنيا .. يابيروت" ..
مَن يترعرع في بيروت، مَن يحفظ دروبها وأماكنها في خفايا قلبه، مَن يتردَّد على معارضها وأعيادها وحلقاتها الأدبية وحفلاتها الموسيقية، يغدو شرياناً مِن شرايينها، وإناءً ناضحاً في إنائها.
هنا .. في هذه المدينة اخترْتُ زمناً للكتابة كما نختار الزَّمن الذي نكتب عنه. ولأني تمرَّغتُ في نار حربها واحترقتُ فيها مرَّاتٍ .. ومع كلِّ حجَر من بنيانها كنت أفقد خرزةً من عمودي الفقري الحاملِ همومي وأحزاني ورهاني على الرّجاء، كتبتُ، لا ذكرياتي مع بيروت، بل تسلَّلْتُ إلى عمق ذاكرة بيروت ما قبل الحرب وفيها. فمَن لا يتذكَّر يموتُ برْداً.
في ذلك النّهار الذي وقفتُ فيه على الجسر الرّابط بين البيروتَين، أشاهد شلعاتِ الغبار المتصاعدةَ مِن قلب بيروت والجرَّافات تنزل مِن بنيانها المهدَّم، ما تبقَّى مِن جسدها بعد عشرين سنة من القصف والتّخريب ونهب جوهر المدينة وقلبِها النَّابض، نذرتُ على نفسي ألاّ أنسى. فمعالم مدينتي كما ألِفتُها في طفولتي وصباي، بأسواقها، وروائحها، وطرقاتها وصالاتها وصدى أجراس الكنائس والآذان، سوف تبقى مرسومة في خريطة ذاكرتي، بعد أن تكون بيروت الجديدة قد محتْ في تخطيطها الحديث، آثارنا ومواعيدنا، وطيشنا .. حين كان للطَّيش زهوه وفرحه وقهقهاته اللامبالية.
بيروت في الستينات والشّمس تعِد بربيع دائم، كانت شبابنا المنذور للحياة، للعلم، للاختصاص، للعمل. كانت الرّوح المتمدِّدة فينا، إن قامت نهضنا مِن غفوتنا وتمثَّلنا بحيويتها. تاريخُها المجيد كان يحثُّ فينا روح النّجاح والازدهار حتى لا نخيِّبَ سمعتَها .. حتى لا نضلَّ في لياليها. وعندما اشتعلت الحرب، وِكْلُ المؤامرة المحبوكة عليها وعلى أهلها، مضينا نتطهَّر معها في نار جحيمها ونموت ميتاتها مجروفين في قدرها.
كنا على مقاعد الدراسة ونحن نسعى، من حبنا لمدينتنا، تقارباً بين مدينة الفارابي الفاضلة وجمهورية أفلاطون وبين مدينتنا، فنسمع دويَّ الصَّوت النَّاقد النَّافذ مِن أستاذنا، يوقظ فكرنا على التّحليل الصَّائب لا على الأوهام النّابعة مِن عاطفة وطنية هزيلة. فجمهورية أفلاطون في نظره كما في نظر فلاسفة العالم ومنهم توماس مور، نموذجٌ للخيال السياسي والسّراب الاجتماعي، أما في نظر الفيلسوف الفرنسي (ألان) فكانت الجداريَّة المثالية للإنسان الاجتماعي. لقد كنا في تلك الحقبة في بحثٍ عن روح الأشياء لا عن ملموسها، وفي التَّرَفُّع عن المادّيَّات من أجل بلوغ المُثُل. بيروت، في بعض نواحيها، كانت تمدُّنا بالشِّعر .. بصخْب الفنّ التّشكيليِّ الحديثِ الباحثِ في أنابيب الألوان عن الإنسان الصّارخ، البائس، المفكَّك .. التَّائهِ سعياً وراء السَّعادة المفقودة.
في أوائل الستينات وحتى اشتعال الحرب الأكولة كان المسرحُ التّجريبي المعاصر، النّافذةَ على قدر الإنسان العربي المثقَلِ كاهلُه بالثَّورات والحروب والعنف. مسرحيون، مخرجون وممثلون وجدوا في المسرح الإغريقي صورةً لإنسان هذا الشَّرق وتواصلاً مع شريانه.
هذا المسرح اللبناني الذي شاء أن تكون عرَّابتَه "مهرجاناتُ بعلبك" جمع نخبةً من المثقّفين لبعث المسرح في لبنان إلى مستوياتٍ عالية، سرعان ما اختَمر في الأذهان وارتفع في سماء بيروت، مؤسَّسةً تسْتجيبُ الطّموح، هو المولود فرعاً من مهرجانات بعلبك، جاء ليلبي رسالة أخرى من روح لبنان وثقافته.
بيروت كانت تعيش على نار متوقِّدة، غنيةً بالنشاطات، غنية بجمهورها. فكان إلى جانب مسرح بعلبك أن أُنشِئتْ مدرسته على مستوىً أكاديميٍّ تعِدُ الممثلين لمختلف طبائع المسرح كما وجدت اللجنة نفسها ملزَمةً بتحصيل معرفة أكاديمية بالمسرح فمضى كل عضو من أعضائها يتَّبع دوراتٍ في معاهد فرنسا ونيويورك وبولونيا وألمانيا كما أشرف على هذه المؤسسة الواعدة كبار شعراء الحركة الحديثة في مجالي الاستشارات والتّرجمة ومنهم جورج شحادة وأنسي الحاجّ وأدونيس وتوفيق عوَّاد ويوسف حبشي الأشقر وواثق أديب وفؤاد صرُّوف.
في تلك الحقبة المشرقة من تاريخ بيروت أصبح المسرح العربي في لبنان في واجهة النشاطات الثقافية حتى إذا اشتعلت الحرب ظلَّ أركان الحركة المسرحية يناضلون من أجلها مع أن مسارح بيروت برمَّتها نالت حصَّتها من الدّمار ومن حقد سادة الحرب الثّائرين على أمجاد هذه المدينة وعزِّها.
روايتي الثالثة "المشهد الأخير"، بعد الروايتَين الأولتَين "أوراق من دفاتر شجرة رمّان" و "أوراق من دفاتر سجين"، اتتْ هي أيضاً من واقع الأحداث الأليمة ومن تلك الإرادة الشّيطانية لمحْو مجد بيروت وتاريخه. كان قدر المسرح يوسْوس في بالي، هذا المكان الذي اختصر قدر الإنسان على خشبته، والذي رفع فكر المآسي الكبرى إلى ذروة المشاعر الإنسانية. مسرح بعلبك القائم في حي القنطاري، كان يملأ هواجسي ويحثُّني على رفع الأنقاض للبحث عن شخصيّات التّراجيديات الكبرى المدفونة تحت ترابها.
كنت، في عبوري اليومي إلى الشّطر الثاني من بيروت، حيث مكاتب جريدة النّهار، أمرُّ بجانبه فألمح يافطة ممزّقة تلفحها ريحُ كوانين مازالت تحتفظ ببعض أحرف من عنوان المسرحية الأخيرة التي كُتب لها أن تُجْبلَ في قدَر هذا المكان، فأتذكَّر ما حصل في اليوم التالي من بدء هذه المسرحية والنّاس كُثُرٌ يبتاعون بطاقاتهم على مدخل القاعة، إذ هبطت الرّاجمة القاسية المدمِّرة التي قضت على الحجر والبشر .. وخلُص مَن كُتِب له العمر، أما المسرح فسقط .. شلعاتٍ من مقاعدَ وستائر وملابس وأجهزةٍ سمعية وضوئية، ومعه سقط حلم مسرح بعلبك الذي مازال حتى اليوم في ذاكرة النَّاس ولم يُرمَّمْ أسْوةً بسائر مسارح المدينة المقفَلة لعدم استجابة الدولة لنداءاتنا لتشجيع هذا الفن الثقافي بدعمها له والتّرويج لازدهاره. وكم يؤلمني أن أمرَّ اليوم بمحاذاة هذا المكان أن أرى أن الأبنية السكنية والتجارية استعادت هيكليَّتها، أما ما كان مسرحاً فقد تحوَّل مخزناً لبيع التلفزيونات والهواتف النَّقالة والآلات الموسيقية وغيرها.
كان لا بدَّ من كتاب يروي حياة الممثل والشّخصية المستعارة، كان لا بدَّ مِن صرخةٍ خافتةٍ في بداية الرواية تشي على الآثام التي تقترفها الحروب في حق الإنسانية، في حق العلم ورغادة العيش.
"المشهد الأخير" وددْتُه لهذه اللحظة القدرية التي خطفت منَّا مدينتَنا، وأغرقتْها في لجج النسيان. بين المسرح والحياة خيطٌ ينسج الحكاية على نول الخرافة والواقع. و"المشهد الأخير" خمس حكاياتٍ لخمسةِ ممثّلين، على أجسادهم وَشْمُ الشّخصيات التي تقمَّصوها وفي نفوسهم جرَاح الوجود التي لا تنْدَمل.
وقد نُدركُ جوهر المسرح التّراجيدي أعمق حين نمرُّ في تجربة الحرب. على الخشبة كانت مغامرة الموت والقيامة تتكرَّر كلّ مساء إلى أن ينوس الضَّوء وتنطفىء آخر كلمة، فيعلو التَّصفيق مرحِّباً بهزيمة الإنسان .. بانتصاراته .. بموته.
هكذا الحرب .. ولا مَن يصفِّق مرحِّباً. فالأحياء شبْهُ أموات، والمسرح وطنٌ بشموليَّته معرَّضٌ للخراب والدَّمار مشرَّعةٌ أفعالها للجميع دون استثناء.
لعلَّ ما قادني إلى هذه الرواية سعيي عند انتهاء الحرب للعثور على هؤلاء المسرحيين الذين توزَّعوا أثناء الأحداث في أماكن لاطية هرباً من الموت، لإجراء مقابلات تلفزيونية وصحفية معهم، يدْلون بشهاداتهم وتحليلاتهم لما حدث. الفقرة الأخيرة من هذا المسلسل، الذي جمع شهادات مثيرة لمخرجين وممثلين عمَّا عانوه مِن فقدان بيروت مسارحها، شئْتُ أن أصوِّرَها على أنقاض مسرح بعلبك وما تركه خراب هذا المسرح في ذاكرة المخرج والممثل شكيب خوري، وهو آخر مَن قدَّم عملاً مسرحياً على هذه الخشبة، ولبَّى الدّعوة متردِّداً في البدء. فمَن هرب مِن جحيم بيروت طوالَ سنواتٍ يعزُّ عليه العودة إليها ليراها مدينة أشباح. أمامَ إصراري قبِلَ .. والكاميرا تصوِّر خطواته المتعثِّرة في عتمة المكان وبين أنقاضه. فجأةً رأيتُه ينحني على شقعات الحجارة ويُخرج مِن بينها ورقةً رثَّة، رفعها أمام الكاميرا ودموعه على خدَّيه ليقول: "هذا هو البرنامج .. هذا ما بقي من ذاكرة مسرحنا. هذا ما بقي من علاقة الإنسان بأرضه".
حين نتكلَّم عن مصير شعب لا بدَّ من إشراكه بقدَر أرضه. فالإنسان والأرض حقيقتان مضفورتان من أليافٍ واحدة، مجبولتان في التّربة ذاتها التي اسمها الهويّة، متساويتان في الذَّاكرة أو في الموت، يموتان معاً وينهضان متوَّجان بهذا الانبعاث الذي عليه شُيِّدتْ أسطورةُ بيروت وتُوِّجتْ بالشّعائر والرّموز.
لقد قال عنها الشعراء الأقدمون: "بيروت هي أرض الآلهة كما أرض البشر".
فلنصْغ إلى بضعةِ أبياتٍ من قصيدة الشاعرة (ناديا تويني) عن بيروت من ديوانها "عشرون قصيدة لحبّ":
أكانت عشيقةً .. بحَّاثةً أو تقيَّة ..
شبهَ جزيرةِ صخْبٍ وألوانٍ وذهب
مدينة ورديَّة عائمة كسفينة
ألفَ مرَّة توارتْ وألف مرَّة قامت
بيروت الألف صرْحٍ .. وبيروت الحجارة
يأتونها من كلِّ مكان ليشيّدوا تماثيل
تجعل النّاس يصلُّون والحروب تعوي.
في بيروت .. ما من كلمةٍ إلا وتتباهى بذاتها
أكانت راهبةً أو ساحرة .. أو مفصلاً لبوَّابة بحر
أكانت معبودة أو كانت ملعونة
ففي كونها فينيقية، عربية، شعبية
في كونها مشرقيَّة متعدِّدة الدَّوران
بيروت في الشّرق هي آخر ملاذ
باستطاعة الإنسان أن يتوشَّح بالنُّور.
اليوم .. قلبي يفرط ألماً على هذا التاريخ الحاضر الذي مازال يوشِّح جسد بيروت بالحداد، بسواد الاغتيالات والألغام المزروعة في رؤوس المرضى المصابين بشغف الثّورات والبلبلات واللااستقرار، لا يسعني سوى أن أعترف بأن لا جدوى من الماضي بدون المستقبل.
بيروت، برغم مصابها وما هي عليه من تمزّقات وتفرقة، وأحقاد سياسية، تُرغمُنا على ألا ننسى أننا مِن طينتها جبْلَتُنا ومِن قيامتها قيامتُنا. أسماء أحفادنا منقوشة في تاريخ جديد هو في طور الولادة .. ولا نتنكَّر لذاكرتنا. فمَن يفقد ذاكرته يفقد مستقبلَه. نحن الصحفيين، الكتَّابَ المفكّرين، المعلّمين، الشّعراءَ، سنبقى حتى آخر قطْرة من ذاكرتنا نشهد على روحيَّة الوطن والبسالة المولودة من ذاكرته. وما معنى الذّكريات لولا الفنانين؟ حيثما وُجدوا، أكان في قلب الامتحان المرِّ أو خارج الوطن، ألَّفوا موسيقى وأغانٍ أشعلت نخوة الذين تغرّبوا عن الوطن منذ بدايات الحرب للعودة، للمساعدة .. للتعبير عن حبهم للوطن أو للاعتذار منه، تكفيراً عن غيابهم عنه.
اللبنانيُّون أدركوا اليوم أن المسار الصَّحيح هو المستقبل. الشَّباب الذين وُلِدوا بعيداً عن آلام الوطن وموت المدينة وقيامتها، يتكتَّلون في غربتهم، في الموسيقى .. في الحركات الاجتماعية، في التَّظاهرات .. يطالبون بالسّلام. فكلمة "لبنان" تعود إلى آذانهم تقرع فرحاً وحبَّاً للأرض. وعلينا، نحن الحاملين راية الماضي أن نذكِّرهم باستمرار بأن بيروت كانت على الدوام قلباً مضيافاً للغرباء .. للمنبوذين، للمنفيّين عن ديارهم، للصّحفيّين المُلاحقين من حكَّامهم بسبب أقوالهم الصَّادحة في دنيا الحق والحريَّة. وبيروت كانت، حتى اشتعال الحرب، الباب المُشَرَّع على العالم في تبادلٍ فكريٍّ ثقافيٍّ حضاريّ مع البلدان الأخرى المؤمنة بحوار الثّقافات، بحوار الأديان، وبذلك التّماذج الإيجابي بين تراثنا وتراث الآخرين .. بين عاداتنا وما حمله الآخرون إلينا، لا سيّما مطبخنا اللبناني، الذي أوحى حتى لليابانيين نكهات جديدة من مأكولات غريبة عن مذاقاتهم، وبدورنا فتحت بيروت الحديثة مطاعمها على كافة المطابخ الآسيوية والأوروبية.
مسافرون نحن في الدّروب، في الكتب، في العلم .. في الموسيقى. وبالرّغم من الحداد الذي كسونا به قلوبنا، ربما إلى الأبد، إثر استشهاد جبران تويني وسمير قصير وبيار الجميّل، هؤلاء الشباب الأحرار الذين مضوا على طريق الشّهادة ببراءة قلوبهم وسخاء علمهم وحرية لسانهم، سنستظلُّ بإيماننا الرّاسخ فينا وهو أن موت هؤلاء الشهداء لن يذهب سدىً. هم مضوا على الطريق ذاتها التي استشهد عليها رفيق الحريري وقبله بشير الجميّل ورينيه معوّض وكمال جنبلاط وغيرهم وغيرهم..
في هذا العالم المضطرب نتأبَّط الماضي حرزاً حتى لا ننسى .. ونمضي نتطلَّع إلى المستقبل، نصلّي حتى تتمَّ مصالحة بين الذين يتقاتلون، يتنافسون، يتواجهون بالاتهامات، التي يتلقَّاها المواطن طعنات من سيف حادٍّ في صدره.
بيروت المجرَّحة، النَّازفة، الجبَّارة في نضالها من أجل الحياة، نريدها لأولادنا .. لأحفادنا .. كي تبقى مدينةً للآلهةِ والبشر ورمزاً للسّلام والرّجاء. نعم .. لأولادنا، لأحفادنا .. فالمدن لا يشيّدها إلا الذين يقيمون فيها ويتساوون مع حجارتها. هم وحدهم باستطاعتهم أن يرسموا صورتها الحقيقية، الصَّادقة، ويتحسَّسوا ما تقوله الأشجار وأسماء الشوارع. هم وحدهم يعلمون أين هي الظّلال ومتى يصبح قمر المدينة بدراً. هم وحدهم قادرون أن يسيروا في عتمة لياليها دون أن يتعثَّروا، وحدهم سيشيدون من المستقبل تاريخاً وذكريات كما الورقة الفارغة التي تتلقَّى حبر الكاتب فتصبح قصيدةً، رسالةً، روايةً، مذكّرات.
أعترف أن بيروت الجديدة لم تعلُ من أنقاضها. هي الملوّنة بأقلام الباستيل، هي المخرَّمة شرفاتها بالدّانتيل النّاعم، جرفت في ارتفاعها ذاكرة المدينة وقلبها .. غابت منها أسواق السّمك والبيض وعطور الكمُّون واليانسون وحبّ الهال .. أعبرها الآن مردِّدةً بصوت خافت: أين كانت درب العشاق؟ وأين كانت صالة الأمبير ومقهى الأوتوماتيك، وسوق الطويلة، والبركة التي كان يؤمُّها النّاس لتناول العصير والسَّحلب والبوظة !!
أردِّد حتى لا أنسى. ساحةُ الشهداء التي استعادت تمثالها بعد زمن صارت حلَبَةً للاعتصامات والتظاهرات والمطالبات ورفع الأعلام المحيّرة بشعاراتها وعلى مقربة منها ضريح الرئيس رفيق الحريري الذي أصبح مزاراً لا يخلو من المصلّين.
فهل هذه هي ذاكرة بيروت الجديدة؟ .. وما هو مستقبلها ياترى؟
في الوقت الحاضر بيروت هي المدينة التي لم تكفَّ تُدملُ جراحها. اسمعوا الشاعر الإغريقي نانوس دي بانويليس بها يتغنَّى:
"الشِّقاقاتُ والفِتنُ التي تفكِّك الأوطان لن تنفكَّ تعرِّض السلمَ للخطر إلا حين تغدو بيروت، المؤتمنة على النظام، حكَماً على الأرض والبحار وحين ستدعم المدن بأسوارِ قوانينها، وأخيراً ستمسك بإدارة مدن العالم كلها".
كيف نتلقى اليوم مثل هذه النبوءات وبيروت مشغولة تضمِّد جراحها .. جراح الأمس .. جراح الحاضر؟
أبوظبي - 14 شباط 2007