يأسرني، في هذه الفترة، التفكير في التلفزيون، ليس لأنه جعل الكرة الأرضية، قرية صغيرة، حسب رأي البعض، بل دوره في تسطيح وتهميش أحاسيسنا ومشاعرنا نحو الأحداث التي تجري في منطقتنا أو العالم.
إن الموت، أو الحديث عن الموت، لم تعد له القدسية التي يحملها بين طياته عادة، إذ أصبح من المألوف لدى سماع موجز الأخبار، وليس الأخبار كلها، سماع أعداد هائلة من القتلى لأسباب مختلفة، مثل التفجيرات التي تحدث في العراق ويذهب ضحيتها يومياً عشرات القتلى، إذا لم نقل مئات، أو أخبار الموت الناتجة عن كوارث طبيعية تودي بحياة الناس وممتلكاتهم.
المهم هنا تكرار الحديث عن الموت، خاصة الناتج عن الإرهاب المنظم في أي مكان في العالم، وكأنه موت طبيعي، لا يحتاج إلى نقاش وجدال: يبدو التلفزيون في هذه الحالة، كأنه عنصر محايد لا علاقة له بالأحداث بل ناقل فعال للأخبار وعاكس للأحداث ليس أكثر.
لكن المتأمل قليلاً يدرك ما تفعله هذه الأخبار مع الوقت، إذ تحولنا نحن المتابعين لها إلى متبلدين وتجرّدنا من أحاسيسنا ومشاعرنا. ثم نعتاد على فكرة أن نسمع مع كل موجز إخباري عن عدد جديد من القتلى! وإذا لم نسمع أي جديد على هذا الصعيد فقد نستغرب ذلك وننتظر الموجز اللاحق لنعرف رقم الموتى الجدد.
نعم، ببساطة يتحول الناس إلى أرقام: تفجير يودي بحياة 170 قتيلاً عراقياً، أو (الجيش الإسرائيلي) يهاجم أو يحاصر هذه المدينة أو تلك ويقتل 15 فلسطينياً. تحويل الناس هنا إلى أرقام، زيادة في التسطيح، وزيادة أكبر في تبلد مشاعرنا وتقبل الموت بهذه الطريقة على أنه حقيقة يومية يجب أن نتعامل معها دون أن نتوقف عندها ولو قليلاً.
هل هذا هو الجانب السلبي للتلفزيون؟
سبق أن تحدث عن جوانب أخرى عديدة سلبية للتلفزيون، لكنني أعتقد أن هذه من أخطر هذه الجوانب.
لن يتوقف التلفزيون عن بث أخباره، من خلال المحطات العديدة المتخصصة أو غيرها، عن تقديم الموت وجبة إخبارية يومية، بل يحدث العكس، إذ كلما زاد عدد القتلى ازداد الاهتمام بالخبر أكثر وأُفردت له مساحات أوسع وصور عديدة لتوضح لنا بالصوت والصورة حجم وشكل الموت الجديد.
نعم، يتحول الموت على شاشات التلفزيون إلى مجرد رقم يخلو من الأحاسيس والمشاعر، دون أن ننتبه إلى هؤلاء القتلى هم بشر لهم أهل وأطفال وعائلات، وأنهم قبل قليل كانت لديهم أمنيات وأحلام.
هل يستطيع التلفزيون أن يقدم لنا حكاية كل قتيل بعد كل عمل إجرامي؟ وهل تستطيع الأخبار أن تقول لنا تفاصيل أمنيات وأحلام كل قتيل؟
إذا فعلت ربما نستطيع عندئذٍ أن نعرف حجم الكارثة اليومية التي نتعامل معها.
لكن أحداً لن يفعل، والتلفزيون سيبقى يقدم لنا الموت مجرد رقم جديد يومي نسمعه، قد نتوقف عنده قليلاً، وعلى الأغلب سنسمعه ونمضي إلى عملنا، استعداداً لسماع رقم جديد!