نبضات شاهين التي طارت

خالد مجر قرأها 6
 

نبضات شاهين التي طارت

خالد مجر

مات يوسف شاهين.... ومن يعش ثمانين حولاً لا أبالك يسأم، كما قال الشاعر زهير بن أبي سلمى قبل قرون، فكيف بالمبدع إذا زاد على ذلك عامين أيضاً. تعب يوسف شاهين منذ زمن بعيد، وتعب قلبه معه، لكنه بقي حياً وكأنه لا يعاند قلبه وحده فقط، بل المجتمع والعادات والتقاليد التي حاربها على مر الأيام.

الفكر المختلف هو السمة التي ميزت يوسف شاهين طوال مراحل حياته التي بقي في جميعها أميناً للإنسان بوصفه إنساناً ينتمي إلى الأرض التي يعيش عليها ويبدع فوقها، أياً كان نوع هذا الإبداع.

أليس هذا هو شكل الإنسان في أفلام، كباب الحديد والأرض وصولاً إلى أفلامه الأخيرة.

يختلف شاهين في مسيرته كلها، من خلال إصراره على تقديم رؤاه الفكرية التي قاتل من أجلها، حتى أصبح العمل مع شاهين شهادة امتياز لكل ممثل يتحدث عن العمل في اللقاءات والمؤتمرات ويعيد ويكرر كل فنان تجربته التي خاضها معه ويفصّل فيها في كل مرة أكثر فأكثر.

لكن شاهين لم يصل إلى هنا لأنه مخرج كبير وحسب، بل لأنه ينتمي إلى أفكار شكلت خلفية لكل أعماله، لذلك لم يكن مستغرباً، أن نرى فيلماً تاريخياً لشاهين ينطق بالعامية المصرية، وأن نرى فيه أيضاً اللبنات الحديثة تظهر وكأنها موجودة منذ الأزل وليست إنتاجاً معاصراً، يحدث ذلك في أفلام شاهين لأنه ينتمي إلى الفكرة التي يقولها وليس إلى المكان الزائل دائماً، فيما الأفكار تبقى وتتناقلها الأجيال.

أليس هذا ما شاهدناه في فيلم ابن رشد، حيث صراع الأفكار بين شاطئي المتوسط هو ذاته، والأعداء هم ذاتهم أيضاً، فمن يقتل هناك له اسم وشكل، ومن يحرق الكتب هنا له اسم وشكل، لكن الاثنين معاً يحملان اسماً واحداً وشكلاً واحداً هو: الطاغية.

لا يجوز أن أختصر مسيرة أكثر من نصف قرن في كلمات قليلة أياً كانت هذه الكلمات، فالرجل الكبير المبدع كتب عنه كثيرون وهو حي، كتبوا عن إبداعه وأفلامه مئات الصفحات، وسيكتبون أكثر، لأنه كان علامة فارقة في تاريخ السينما المصرية والعربية.

تعب قلب يوسف شاهين منذ أكثر من ثلاثين عاماً، لكن نبضاته التي بقيت كانت كافية كي تجعله يكتب ويُخرج أفلاماً كثيرة، ومن معطفه خرج مبدعون في مهنة السينما أصبحوا هم كباراً أيضاً.

ربما بعد أن رأى شاهين الكبير إبداعه تحول إلى حب في إبداع الآخرين، فتح باب قفصه وطار (العصفور).

يوسف%20شاهين.jpg