الفنّ .. في مواجهة العنف
أعادتني الأغنيات التي قدمها زياد الرحباني إلى الفنانة لطيفة في شريطها الجديد، إلى الحديث الجديد ـ القديم، حول العنف. السبب في ذلك الربط بين الأغنيات والعنف، هو نوع الكلمات التي يستخدمها زياد الرحباني المستمدة من الحياة بكل تفاصيلها، لكن التفاصيل التي تدعو إلى الحياة وليس تدميرها.
أبحاث كثيرة أنجزت عن التلفزيون ودوره في ممارسة العنف لدى شرائح اجتماعية مختلفة، لن ندخل هنا في تفاصيلها، لكن هذه الأبحاث أكدت أن كل ساعة تلفزيونية توجد فيها نحو عشرة مَشاهد بين ضرب وقتل، أي ممارسة العنف على نحو ما.
بعض الباحثين، أكد أن هذا العنف هو انعكاس للواقع الذي يعيشه الناس، وبالتالي فإن التلفزيون ليس أكثر من ناقل إخباري، والدليل أن نشرة أخبار واحدة يكاد العنف بأنواعه المختلفة لا يغيب عن أي خبر فيها. أما الدراما، فالعنف موجود فيها على نحو أو آخر، وصولاً إلى رسم تفاصيل الشخصيات.
الواقع أن العنف موجود في حياتنا بمختلف أنواعه، أحياناً ندركه، وأحياناً أخرى لا نعرفه من كثرة معايشتنا له، والنوع الأخير أكثر خطورة لأنه يعني (تدجين) البشر والوصول به إلى مرحلة خطيرة هي مرحلة انعدام الإحساس بالآخر ظالماً أو مظلوماً.
المشكلة أن ممارسة هذا العنف متدرِّجة من طرف إلى آخر، حسب تسلسل المسؤوليات أحياناً، وحسب النفوذ أحياناً أخرى، وغالباً حسب الحاجة، والأخير أصعب أنواع العنف لأننا نقبله بوعي، وأحياناً نسير إليه بأقدامنا لأنه لا خيار آخر لدينا.
ربما تكون طبيعة الحياة الاجتماعية التي نعيشها، والتي تزداد تعقيداً يوماً بعد آخر أكثر من ذي قبل، وربما المتطلبات التي تحتاجها هذه الحياة، تدفعنا أكثر إلى ممارسة العنف على الآخر أو قبوله منه، عوامل تقف وراء العنف وتقبله.
لكن ما علاقة هذا الموضوع بزياد الرحباني وكلماته وموسيقاه؟ أعتقد أن أعمال زياد تشكل نقيضاً لكل هذه الحالات، وتدفعنا نحو إنسانيتنا أكثر، وإلى إعادة التفكير في سلوكياتنا.. هذا على مستوى الكلمات. أما موسيقاه فهي دون أدنى شك تدفعنا إلى الفرح بالحياة التي نعيشها، وبالتالي يشكل زياد ظاهرة طبيعية مضادة للعنف، يمكن لنا أن نعود إليها بين حين وآخر، لنعرف موضع أقدامنا من العنف الذي يمارس علينا أو نمارسه على غيرنا.
"النور"