ناصيف مُكَرَّماً بأغانيه التي تفوح بحبِّ لبنان
أمسية اوركسترالية تحية لعاشق الأرض والتراث
رحل زكي ناصيف قرير العين، مرتاح البال، تاركا على أرض لبنان سهولا من أغان و بيادر من ألحان ومساكب من عطر حبقه الفوّاح، هي ذاكرته الباقية في أيد أمينة، وفية، تطمئنه الى أن عبير أزهاره في كركة الحب تقطر عبيراً ونبيذه الزكي في الخوابي يعتق ويطيب.
الاحتفال الذي جرى لزكي ناصيف مساء الخميس في الأسمبلي هول لدعم برنامج زكي ناصيف للموسيقى في الجامعة الأميركية، كان بمثابة تتويج للانسان وأعماله. عشرون أغنية مختارة من تاريخ زكي ناصيف الفني قام وليد غلميه بالإعداد لها على نحو أوركسترالي واسع وجوقي من كورال المعهد الوطني للموسيقى في إشراف الأساتذة لور عبس رئيسة القسم الشرقي وبيار سميا وماري - روز معوَض والياس شحاده.
وضع الكونسرفاتوار الوطني في هذا الأحتفال الكبير أرفع الأمكانات العزفية والغنائية بقيادة وليد غلمية، تحية لهذا الرجل الذي عاش وأعطى بتواضع وبتلك البراءة التي كانت طوال حياته تذرف عذوبة على أغانيه، وترفرف حنينا كئيبا على بلد ظل يسبغ عليه من طفولته لتبقى الليالي مقمرة والعودة إلى القرية ملاذاً و"عاشقة الورد" هنا في انتظار هذا العاشق الذي أحب بلا أمل كما تقول أغنيته.
الأوركسترا الشرقية بالتنويسات الرقيقة، بهذا التلاعب الخفي بين عود وقانون، بين ناي وكمان، بين أصوات الاناث والذكور أدخلت موسيقى زكي ناصيف البلدية إلى مستوى عالمي، تتنشق المهارات العزفية فيه هوية لبنان، مشيّعة إلى أبعد منه.
من الأرض البكر أخذ زكي ناصيف ألحانه، تلك التي تلتصق بالأنسان منذ طفولته إنْ في الترانيم الدينية أو الأغاني التراثية التي تتناقلها الأجيال بتلقائية لتصبح من المألوف الخارج عن الزمن أو هو ابن كل الأزمنة. زكي ناصيف مضى إلى جوهر التراث يستنطقه، يستنبطه، حين عبر سن البراءة ليمضي إلى حيث التخصص الجدي في المعهد الموسيقي في الجامعة الأميركية، ومعظم أساتذته من الجالية الروسية. بيد أن الأسس الكلاسيكية إن لم تبعده عن حنينه للألحان القروية والترانيم الدينية، مكّنت قدرته على إخراجها من بوتقتها الريفية وتحديثها لمجالات سمعية واسعة.
في أغنياته خلق زكي ناصيف عالمه، من إشتياق وحب وحنين للأرض، للقرية أو لطيف امرأة تجسّد انتظاره لها في الأغنية، في نغم تصوّر محياها فيها. المرأة عاشقة أو لامبالية، غنوجة أو بعيدة هي الوحي الذي فتح أمامه باب التأليف كما حبه للقرية وجبال لبنان ونجوم لياليه. الوحي هنا على مقربة من مشاعره المجرّحة، النقية، أغدق عليه هذه الكنوز الزكية من أغان، أطلت (وليست هي المرة الأولى يكرّم فيها وليد غلمية والأوركسترا الشرقية زكي ناصيف)، في برنامج "لنتذكر زكي ناصيف" في الأسمبلي هول كشمس لا تغيب ما دام الغيارى على تراث هذا الفنان حاملون مشعله، يؤاسون غيابه باستحضاره كلما عنَّ على باله من الهناك أن "يعود إلى قريته"، وكلما "اشتقنا كتير يا حبايب". حاضر هو في ذاكرة حنيننا إلى الضيعة وبراءة الأرض التي عرفناها ونحن في عمر البراءة. لكن سعادته البارحة كانت لا توصف، مُنْصِتاً إلى العازفين واحداً واحداً، ما دام التوزيع الدقيق المتحسس مشاعر زكي ناصيف جعل لكل نقرة عود أو كمان أو قانون، ولكل زفرة ناي سنبلة في سهل هذا الحنون. المغنون أدركوا عشقه للترانيم الدينية فأشعلوا في غنائهم بخورا يشبه الصلاة. برهافة وأناقة أكاديمية، كان الأحتفال بذكرى زكي ناصيف موشحاً تقياً من الموشحات التي تحتفل بالقيامة.