مقابلة تلفزيونبة فاشلة
دفعت لي المجلة التي نشرت لقاءً معي، مبلغاً محترماً، ناهيك عن لوحة بالألوان المائية لشخصي رسمتها ريشة فنان معروف...
ودفعتْ (أي المجلة) للبنت الحلوة التي أجرت اللقاء ما جعل المساواة بين المرة والرجل متحققة فعلاً، لا قولاً مكتوباً على لافتات حمراء..
ويبدو أن المبلغ أفسد أخلاقي.. وضيّع فرصاً كثيرة على صيادي اللقاءات.. وصرت، كلما عرض عليّ أحدهم، ساومته على (فيفتي x فيفتي)!.. هذا إذا كانت المقابلة مدفوعة الأجر بالعملة الصعبة.. أما ما كان بالعملة السهلة، فهو لا يستحق صرف عشر حريرات في المساومة، لأن المبلغ الذي سيحصل عليه المحرر، لن يجلب له، ولي، مجتمعين، خمس حريرات، على الأكثر!..
وهكذا رحت أتهرَّب من إجراء المقابلات.. تارة بحجة التواضع والابتعاد عن (البَرْوَظَة).. وتارة بحجة ضيق الوقت... إلى أن جاءني مذيعٌ غاية في الظرف واللطافة والأناقة (عدّة الشغل)، وعرّف على نفسه بأنه مراسل قناة سيراليون الفضائية!.. أنعم، وأكرم.. وأنه يُعدّ برنامجاً ثقافياً اجتماعياً عالمياً، يُدعى، ما ترجمته بالعربية: "ضيف المضافة"!..
سألت المذيع: وكم تدفع إدارتُكم المالية للضيف المنتوف من أمثالي؟..
نفض المذيع اللمّيع رأسه، مثلما ينفض المفلِّس جيوبه، وأجاب: والله، بكسر الهاء، يا أخا العرب، ليس في برامجنا بندٌ يلحظ تعويضاً للضيف..
- كيف، يا طويل العمر، لا تدفعون، مع أن فضائية اليابان تدفع بالين.. والإيطاليون يدفعون باللير.. وفضائية المملكة المتحدة، وما يتبعها من دول الكومنويلث تدفع بالإسترليني.. وفضائية الهند تدفع بالروبية، وفضائية كريت تدفع بالدينار، وجارتها بالدرهم... تصور يا صديقي أن أحد المتأوربين، أرسل ذات مرة يطلب أغنية في برنامج ما يطلبه الفرانكوفنيون من إحدى القنوات الفضائية الفرنسية... ووقّع طلبه باسمي.. وكانت النتيجة أن وصلني (ترافيل شيك) بألف فرنك فرنسي.. مع أني لا أعرف من الفرنسية سوى عبارة: (جي تيم)!!..
ثم وضعت كفي فوق رأس المذيع، وهو عربي ابن عربي، وقلت له: "إيدي على راسك.. والنبي كبّاسك.. كم تدفعون لراقصة من الدرجة (العاصرة)، لقاء مقابلة لها في قناتكم العامرة؟.."...
رفع المراسل كفه اليمنى، مثلما تُرفع الكفُّ لأداء اليمين في محكمة، وقال:
- "لا والله.. مثل هذه لا ندفع لها.. بل متعهد حفلاتها يدفع لنا، من أجل ترويج حفلة ستحييها بعد شهر"!..
وصفّق مندوب الفضائية السيراليونية بيديه للنادل، كي يجدد مشاريبنا، ثم قرّب صلعته من صلعتي، وقال: دعنا من المقابلات الفضائية.. وبما أنه صار بيننا بسكوت وكاباتشينو، ومياه بقين، وفستق حلبي.. وبما أني مندوب مجلة "اليرابيع في أول الربيع".. سأطرح عليك أسئلة.. إن شئت جاوب عليها.. أو شئت فاطوِ المسألة.. وليس بيننا، كما ترى، لا (كاميرات ولا مايكات)... وقد وافقت، لا حباً في المقابلة.. بل خوفاً من أن يتركني الرجل، ويمضي، تاركاً أمر دفع حساب الطاولة على كاهلي..
ونشرت المقابلة على مدى أربع صفحات.. مع ست صور كبيرة ملونة تظهر نواجزي في كل منها .. وهذا شيء.. وأقوالي المتداخلة مع صوري شيء آخر.. وهذا ما سأرويه في حلقة تالية، مع فقرة خاصة تحكي قصة ست مقالات كلفني بها مذيع تلفزيوني قديم، يرئس تحرير مجلة (آلابندا).. ثم ادعى أنه مات بالسكتة المالية.. ولا حول ولا قوة إلا بالله...