العين التي ترصد الآثار .. عمر أبو ريشة في جمعية العاديات
نشأ الشاعر عمر أبو ريشة في حلب لأسرة تحبّ الأدب والفن، درس الثانوية في الجامعة الأمريكية في بيروت، ثم ذهب إلى مانشستر لدراسة النسيج، ولكنه آثر الانصراف إلى الشعر، فعاد إلى حلب وساهم في بناء مكتبتها الوطنية، وتولّى إدارتها فترة من الزمن، وفي حلب أبدع كثيراً من قصائده منغمساً في النضال الوطني وفي التصدّي للاستعمار وأعوانه بجرأة وشجاعة نادرتين. وعمل بعد الاستقلال سفيراً لسورية في البرازيل والهند وتشيلي والنمسا وأمريكا بين عامي /1949 و1970/م. إلى أن استقر به المُقام في المملكة العربية السعودية حتى توفّي في الرياض بتاريخ 15 تموز عام 1990م.
حول اهتمام الشاعر أبو ريشة بالأوابد والآثار كانت محاضرة د. أحمد زياد محبك في جمعية العاديات وقد استهل المحاضر حديثه بالقول: "ليس غريباً أن يعنى عمر أبو ريشة بالآثار العمرانية، وبلده سورية غنية بالآثار، ولذلك كانت قصيدته "طلل" (1937) من بواكير شعره، وهو الذي قرأ الشعر العربي، قديمه وحديثه، وهو حافل بوصف الآثار، وفي مقدمتها الأطلال، وطالما وقف بها الشعراء، وهو الذي تنقل أيضاً في عواصم العالم من واشنطن إلى نيودلهي، سفيراً لبلاده، ورأى هنا وهناك الفنون والآثار، وتكفي الإشارة إلى قصيدته المتميزة: "معبد كاجوراو" وقد نظمها عام (1957) مستلهماً فيها معبداً رآه في الهند، وقد منح القصيدة اسمه عنواناً لها. وعمر أبو ريشة، كما رأى المحاضر، يقف بالآثار وقفة متميزة، فهو لا يصفها، ولا يصورها، وإنما يستلهمها، ويعبر من خلالها عن حالة أو فكرة، وفي بعض الحالات يحاكيها، فيبتني باللغة أثراً معمارياً، ليجسد من خلاله فكرة أو حالة.
ولقد مرّ الشاعر بصرح روماني قديم فأوحى إليه بقصيدة عنوانها "طلل" وترجع إلى عام (1937) وفيها يستوقف الشاعر قدمه معبراً عن ذهوله أمام هذا الصرح إذ كيف انقلبت فيه الحياة من سعد إلى نحس ومن عمار إلى خراب، ويدهش أمام حجارته التي ما تزال صامدة، ثم يرى فيه انتصاراً على الموت الذي عجز عن أن ينال منه، فارتد مقهوراً أمام قوته، وفي القصيدة يقول:
قفي قدمي إن هذا المكان يغيب به المرء عن حسِّه
رمالٌ وأنقـاضُ صرحٍ هوت أعـالـيـه تبحث عن أسِّـه
أقـلّب طرفي بـه ذاهــلاً وأسـأل يــوميَ عن أمسه
أكانت تسيل عليه الحيــاة؟ وتغفـو الجفـون على أنسه
وتشدو البـلابل في سعـده وتجري المقـادير في نحسه
أأستنْطقُ الصخر عن ناحيته وأستنهض الميت من رمسه؟
حوافر خيل الزمـان المُشِتِّ تكــاد تُحدِّث عن بؤسـه
وبعد أن شرح د. محبك القصيدة رأى أنها تمتاز بالإيجاز والتكثيف، وجدة الصورة، وسرعة الحركة، وهي منظومة على المتقارب ويمتاز بقوة الإيقاع وسرعته، وحرف الروي وهو السين يذكر بسينية البحتري التي صور فيها إيوان كسرى ما يمنح القصيدة عمقاً تاريخياً يرتبط بالديار الدارسة. ثم أجرى د. زياد مقارنة بين القصيدة وامرئ القيس في معلقته، وزهير في معلقته أيضاً، ورأى أن الشاعر الجاهلي أراد أن يحتفظ بالحياة موّارة في الطَّلل ليؤكد استمرار الحياة واستمرار الحب، في حين جعل أبو ريشة الطّلل موحشاً لا أثر فيه للحياة، حتى إن الشوك لا ينبت فيه والغربان لا تسكنه والعناكب تريد التفلت منه، ليؤكد صورة الموت الذي فعل في الطلل ما استطاع أن يفعل ثم انتحر، وهذا يدل على أن الشاعر لا يقلِّد الأقدمين، وأن الطلل عنده يمتلك دلالة أخرى مختلفة.
من ناحية أخرى رأى المحاضر أن الشاعر يستوحي أطلال مدينة "أوغاريت" الرابضة على الساحل السوري قرب اللاذقية حيث عثر المنقبون على أقدم كتابة أبجدية عرفها التاريخ، فينظم قصيدة عنوانها "أوغاريت"، يخاطب فيها أطلال المدينة الناهضة من غياهب التاريخ ويتغنى بماضيها المجيد ويشاركها الإحساس بالألم لما ستشهد من واقع بائس متخلف ممزق يحكمه الطغاة، ويندب هذا الواقع ولا يرى فيه بصيص أمل إذ لم يبق من الماضي المجيد شيء، لذلك يأسف لنهوضها ويدعوها إلى العودة إلى الرقاد في غياهب الماضي، ومنها الأبيات:
يا روعة المـاضي البعيد المستسرّ المبهمِ
كيف انطلقتِ من السلاسل والعقال المُحكَمِ
ما تبصرين؟ تأمَّلي! ما تشعُرين؟ تكلَّمـي!
الرَّبع ربَعُك فانحني عطفاً عليـه وسلِّمي
لم يبق فيه من بنيك سوى الطيوف الحوّم
فالشاعر يخاطب الآثار، ويصور الموت واقفاً دونها ذليلاً مستسلماً، ويدهش لخروجها من حلم الخلود بعد أن نالته، ثم يصور ما حولها من خواء غاب عنه بنوه، إذ تتابعت عهود إثر عهود تحطَّمتْ في أثنائها السيوف، وهي تقارع الظلم، حتى كان لها بعد ذلك المجد الذي تنام عليه قريرة العين.
والقصيدة لا تقتصر على انتقاد الحاضر، كما لا تقف عند حدود المكان، بل ينطلق فيها الشاعر من المكان المحدود إلى آفاق الزمان غير المحدود، فيجوب الحقب والعصور ويمر بالحضارات ويشير إلى ازدهارها وزوالها وبقاء الظلم واستمراره، وبذلك فالشاعر لا يعالج فكرة الزمان المجرد، إنما يعالج فكرة الزمان المرتبط بالمكان، فالمكان واحد، ولكن أزمنة كثيرة مرت به، فإذا المكان شاهد على الأزمنة، والشاعر في رؤيته الزمان وهو يمر عصر إثر عصر، يدرك قيمة ما أريق من دم عبر العصور في مقارعة الظلم، حتى كان ذلك المجد، ولذلك يتألم لزواله، ويحزن ويهجو الحاضر المر لأنه لا يرى فيه غير التشتّت والتمزّق، ومن هنا يكون حنينه إلى الماضي لأنه الأجمل.
والقصيدة مبنية على فكرة غريبة مدهشة، وهي اكتشاف آثار أوغاريت، وظهورها كغانية حسناء تخرج من غياهب الماضي، وقد اكتسبت الخلود، لتشهد الحاضر، ويلتقيها الشاعر، وريثها ووريث الحضارات التي تعاقبت بعدها، فيخبرها عن الحاضر المشتت، وينصح لها بالعودة إلى غياهب الماضي.
وعن أثر آخر في شعر أبي ريشة تحدث المحاضر فلقد فتن الشاعر عمر أبو ريشة بمعبد هندي قديم هو معبد كاجوراو، فاستوحى منه قصيدته الفريدة: "معبد كاجوراو" وهذا المعبد "يضمّ مئات من التماثيل التي تعبر بكل جرأة ووضوح عن الأهوال الجنسية، الطبيعية والشاذة والخيالية، على نحو ما يصفه الشاعر نفسه في مقدمته للقصيدة، وهي تتألف من واحد وثمانين بيتاً، ويمكن أن تقسم إلى ثلاثة مقاطع، تتضمن: انتصار الفن على الزمان، وتملّي مشاهد الفن، والعبرة المستفادة من زيارة المعبد، والشاعر يؤكد في مستهل القصيدة انتصار هذا الصرح المعماري على الزمان، فيقول:
من منكما وهب الأمان
لأخيه أنت أم الزمان؟
شقيتْ على أعتابك الغاراتُ
وانتحرتْ هوان
وتمزَّقت أملاكُها تاجاً
وفضَّت صولجان
وبقيت وحدك فوق هذا الصخر
وقفة عنفوان
والحق أن الزمان هو الأقوى، وهو الذي يمنح الأمان، ولكن السؤال يوحي بتغلب المعبد في الواقع على الزمان، ومنحه الأمان للمعبد، بدلاً من أن يطلبه، ويؤكد ذلك أن غارات الزمان قد تعبت من الهجوم على المعبد، وهي لم تتمكن من تجاوز أعتابه، لذلك انتحرت ذلّةً ويأساً. وواضح أن الشاعر يكرر في وقوفه أمام معبد كاجوراو ماكان قد قاله من قبل في وقوفه أمام الطلل، ولكن تعبيره عن انتصار الفن في المرة الثانية كان أكثر اتساعاً وأشد وضوحاً وأقوى إشراقاً.
ثم يرشح الشاعر للانتقال إلى تملّي جمال التماثيل في المقطع الثاني، وذلك بانتقال ذكي على جسر من بضعة أبيات يقول فيها:
ياهيكـلاً نثر الفتـون ورنَّح الدنيا افتتـان
وثب الخيال إلى لقـاك وردَّ وثبته العيـان
وتكلمتْ أحجارُك الصمَّـاء مشرقة البيـان
وتلفَّتتْ منها الدمى بين افتـراق واقتـران
نضت الوقار عن الحياة فما استقر له مكان
ويلاحظ ما ورد في هذا الترشيح لتملّي جمال المعبد من ثنائيات، من مثل الخيال والعيان، وافتراق واقتران، وهي ثنائيات تدل على طبيعة المعبد، وقد لخصها الشاعر في تلك الأبيات بقدر كبير من الجرأة والإيجاز، ليقوم في المقطع التالي بالتوضيح والتفصيل.
ومن ذلك صورة فتاة بريئة، تفتحت أحلامها قبل الأوان، فهي تتطلع إلى آفاق بعيدة، والجنى ما يزال عنها بعيداً، يقول الشاعر في وصف تمثالها:
وفتاة خدر لم تلامس عقد مئزرها يـدان
وقفت وجفنـاها بأذيال الشموس معلقان
قالت وقال الوعد للأحـلام: ما آنَ الأوان
إن التعبير عن طهر الفتاة ونقائها يكون مئزرها لم يحل هو تعبير فني يتجاوز مقدار الكناية إلى خلق تمثال للفتاة يتصوره الذهن من خلال تلك الصورة الدالة، وفي وقوف الفتاة وتطلعها إلى آفاق بعيدة، إحساس بالامتداد غير المنتهي أمام نظراتها، وهو إحساس يثير الشعور بحركة تجاذب مستمر بين الأحلام البعيدة والأنظار المتطلعة إليها، وهي حركة تمتد من غير ما انتهاء، وتلك الحركة الخارجية المتمثلة في الوقوف والتطلع إلى آفاق بعيدة تدل على حركة داخلية، قوامها نضج الرغبات وتوثبها وتشوقها إلى اختراق الداخل إلى الخارج، والنفاذ من عالم الرغبة إلى عالم الفعل.
وثمة إيجاز كبير في حذف ما قالته الفتاة، والاكتفاء بالإشارة إلى كونها قالت، وهو إيجاز يثير الخيال، ويفسح له المجال رحباً ليتخيل بحرية ما قالت.
وثمة صورة لعاشقين يضنيهما الشوق، وهما على الرغم من قرب أحدهما من الآخر لا يلتقيان، وتتمثل الصورة في الأبيات التالية:
وفتـىً يهمّ بقبلـة ويكــاد يقطفها حنـانْ
قطع الحياء بها السبيل فما استعان ولا أعان
تمضي الليالي وهو من نعمائها قـاص ودان
وثمة صورة ثالثة توحي بالعطاء الأبدي الذي لا يفنى، وتتمثل الصورة في تمثال لفتى شاب يعانق امرأة في منتصف العمر، فإذا هما يتساقيان، ويبدو عناقهما أبدياً، فينبوع الشباب في الفتى لا ينضب، وتوهج الأنوثة في المرأة العوان لا ينطفئ، وتتمثل الصورة في الأبيات التالية:
ومراهقٍ مستسلمٍ لقياد غـانية عـوان
أهوت عليه فاكتسى بالياسمين الخيزران
رد الربيع لها فرفَّت طلعة وزهت ليـان
وتمهَّلت لا وهجهُا فانٍ ولا الينبوع فان
وهو يرى أن المعبد قد كشف الزيف وأعاد لعري الحياة رفعته، وهاهو ذا يخاطب المعبد، فيقول:
كاجراو هل من حرمة لك عند رائيها تصان
كم زائـر أدمى فؤادك ما أسرَّ ومـا أبان
أخفى الرضا وتظاهرتْ بالسخط عيناه اللتان
تتحريـان وتنهـلان وتسكران وتحلمـان
مزَّقتَ أقنعة الحياة وما عليها من دهـان
وجلوتَها في عريها فترفعتْ بعد امتهـان
وهذه الرفعة التي يمنحها الشاعر للعري تدل على أن العري ليس مجرد عري جسدي إنما هو عري يراد به ما وراء العري من أبعاد ودلالات، ولعله عري الحقيقة التي غالباً ما توصف بأنها عارية، وعريها مؤذ من غير شك لمن لا يحترمها، ولكنه مريح لمن يحترمها، والحق دائماً أبلج.
وقد يظن بعد ذلك أن الشاعر قد عبر عن رأيه في المعبد وتماثيله، ولكن الشاعر ما يلبث أن يخاطب المعبد مؤكداً أن حلمه سيطويه ولن يُطلِعَ عليه أحداً، فهو مثله مثل غيره، لا يعرف أحدٌ داخله، يقول:
كاجراو، عفوك ليس لي مني على حلمي ائتمان
أَولى فأَولى أن تمـوتَ طيـوفُه خلف الجفـان
لا تسألنَّ فلن أجيبَ وظنَّ بيْ مـا أنتَ ظــان
أنا مثل غيري لا يرى لي من كوى سجني كيان
أنا مطمئـن بالقنــاع ورافـل بالطيلســان
ولعل في هذا ما يؤكد قيام القصيدة كلها على ثنائية الظاهر والباطن، والجسد وما وراء الجسد، والمكان وما وراء المكان، ولعل في هذا أيضاً ما يرشح لفهم القصيدة على أنها طموح الإنسان إلى معانقة الكلي المطلق وتجاوز المادة في عريها إلى ما وراءها من آماد. ثم ما يلبث الشاعر في ختام القصيدة، أن يسجل بيتاً، لعله هو بيت القصيد، يقول:
كاجراو، لولا العجز والحرمان ماكان الجبان
وهنا قرن المحضر بين هذا البيت وبيت المتنبي الذي رأى أن الشاعر يشير من بعيد إليه:
والظلم من شيم النفوس فإن تجدْ ذا عفة فلِعلَّة لا يَظلِمُ
ثم تحدث المحاضر عن تأثير الثقافة الهندية في الشاعر، وظهور شيء من ذلك التأثير بصورة غير مباشرة في تصوير المعبد على أساس من ثنائية الظاهر والباطن، والحركة والجمود، والمادي المحسوس والروحي المتخيل، ففي الديانة الهندوسية "يعدّ شيفا إلهاً ملغزاً، يتسم بالمفارقة، فهو في وقت واحد سيد الموت والخلق، الراقص الكوني واليوجي الساكن.
واستنتج د. زياد محبك أن الشاعر في استلهامه الآثار العمرانية يدل على غنى تجربته الشعرية وتعدد مصادرها وتنوع اتجاهاتها، فقد ظهرت لديه روح صوفية شفافة هي نتاج تربيته في بيت جده بعكا وكان صاحب الطريقة الشاذلية، وكانت هذه الروح تسري في معظم قصائده رقيقة شفافة بعيدة عن التصريح أو المباشرة، وهي التي أكسبت شعره صفاءً وبعداً عن الجسد وتطلعاً نحو الروح وعلواً فوق الظاهر والعابر والمؤقت وجموحاً نحو الكلي بعيداً عن حدود الزمان والمكان.
ورأى أن الشاعر لا يصف الآثار العمرانية فحسب، بل إنه يبتني بالشعر آثاراً عمرانية، ليعبر من خلالها عن ذاته أو عن فكرة أو حالة، كأن يعبر عن وحدته وعزلته ونزعته الرومنتيكية من خلال نحته باللغة نموذجاً لغرفته، ويتمثل النموذج في قصيدة عنوانها: "اقرئيها"، وفيها يقول:
إنها حجرتي لقد صدئ النسيان فيها وشاخ فيها السكوتُ
ادخلي بالشموع فهي من الظلمة وكر في صدرها منحوت
وانقلي الخطو باتّئاد فقد يجـفل منك الغبـار والعنكبوت
عند كأسي المكسور حزمة أوراق وعمر في دفتيها شتيت
احمليها ماضي شبابك فيها والفتـون الذي عليه شقيت
اقرئيها لا تحجبي الخلد عني انشريها لا تتركيني أموت
إن غرفة كل إنسان هي صورة عن ذاته، تكوينها يعبر عن تكوينه، وأسلوب بنائها وترتيبها وتوزيع أثاثها يمثل نفسيته ومزاجه وطريقة تفكيره وأسلوب تعامله مع الأشياء والناس والعالم من حوله، وغرفة الشاعر لابد أن تكون متميزة، لتميز الشاعر نفسه، وهي دائماً شائقة ممتعة، يطمح المرء إلى معرفتها لأنها تمثل أفكار الشاعر ومشاعره وأخيلته وربما أوهامه. وأسهب المحاضر في الحديث عن الخصائص الفنية للقصيدة.
ويرغب الشاعر في التعبير عن مشاعر الهجر والنسيان، فلا يلجأ إلى التجريد والتعبير الصريح كتسمية المشاعر أو وصفها أو تحليلها، إنما يعمد إلى بناء قصر مهجور، يبنيه حجراً حجراً، يقول الشاعر في قصيدة عنوانها "النسيان":
معابد لا يطوف بها سوى الأشجان والأحزان
تخلَّى عن معالمها قدامى صحبها الرهبــان
فلا يُلمح في شتى جوانبهـا سوى الغربـان
فلا حبلٌ لنـاقـوس ولا أطـر وصلبــان
إلى أن يقول:
أسائل كيف ذل الصخر كيف تناثر البنيان
عرفت السر... دلتني عليه غربة السلوان
هو النسيان ما أقساه ياربي هو النسيان
واستنتج المحاضر، أخيراً، قائلاً:
يبدو فن العمارة بصورة عامة الأقرب إلى نفس الشاعر فهو أكثر ظهوراً في شعره مما سواه من الفنون الجميلة، ويلاحظ التفاته في مطلع حياته إلى الآثار والأطلال كما في قصيدتيه "طلل" و"أوغاريت" وتعبيره من خلالها عن قدر غير قليل من الحزن في نزوع رومانتيكي واضح، وميله في مرحلة تالية إلى الآثار العمرانية الفخمة والباذخة، على نحو ما ظهر في "معبد كاجوراو".
لقد اتخذ الشاعر عمر أبو ريشة لنفسه من محاكاة الآثار العمرانية وسيلة لبناء بعض القصائد، فهو لا يعبر التعبير الصريح المباشر، ولا يسمي المشاعر أو العواطف، إنما يلجأ إلى ابتناء نص شعري يحاكي به العمارة، وهو في أثناء ذلك معني بدقة اللفظ، وقوة التعبير، وجمال الإيقاع، ومناسبته للحالة والموقف، وهو معني أيضاً ببراعة الاستهلال وحسن الاختتام، بل يكاد البيت الأخير يكون بيت القصيد.
الأسبوع الأدبي