أبو الريش لا يحب الكتابة في المركز الثقافي بحلب

د. محمد جمال طحَّان قرأها 5
 

أبو الريش لا يحب الكتابة في المركز الثقافي بحلب

د.محمد جمال طحان

(نحن الآن أمام قاصَّيْن يختلفان في مسائل كثيرة، أحدهما أديب محترف له باع طويل في القصة والرواية والمسرح، والآخر، رغم مجموعاته القصصية الخمس، إلا أنّه معدود بين الهواة، وأعني أنّ الأدب لديه هواية لا حرفة.. ناهيك بمذاهب الاثنين وأساليبهما ورؤاهما الفكرية والجمالية التي تفرض على كل منهما منهجاً معيناً للدخول إلى عالم القصة).

هذا مابدأ به محمود الوهب في مداخلته النقدية التي قدّمها في أمسية قصصية أقامتها مديرية الثقافة بحلب، وشارك فيها الأدباء محمد أبو معتوق وإياد جميل محفوظ ومحمود الوهب. قرأ محمد أبو معتوق بضعاً من قصصه القصيرة تحت عناوين (رجل حكيم، فتاة صغيرة وجدار، رجل لا يحب الكتابة، رجل ثقيل) تناول فيها حالات اجتماعية تحكي قصصاً من صلب الحياة اليومية، ونهج في بعض قصصه أسلوب السرد في حكايات كليلة ودمنة المروية على ألسنة الحيوانات.‏ يتضح من خلال قصصه دفاعه عن قيم الحب والعدالة والحرية وصونها، وتتبين من بعض القصص معاناة الأدباء وكراهيتهم للقيود والزنزانات والأماكن المغلقة. ليس جديداً أن نرى سمة التجديد في قصص أبو معتوق وجملته الشعرية الرشيقة التي يتميز بها.

في الأمسية قرأ الأديب إياد محفوظ قصتين حملتا عنوان (أبو الريش) و(المصلحة العليا). في القصة الأولى نقل لنا صورة من واقع الحياة الاجتماعية التي يتخفى فيها بعض الناس لتحقيق مآرب وأهداف خاصة، فتظهر للمجتمع شخصيات أنموذجية قبيحة. في القصة الثانية (المصلحة العليا) طرح القاص محفوظ مشكلات لا تلفت نظرنا عادة في الواقع الاجتماعي. وفيها جسّد شخصية البطل (أبو صقر) بكل تفاصيلها، وكذلك وصف بوضوح المكان الذي تجري فيه القصة حيث يسكن حراس (المعلم).

 في الأمسية قدّم الأديب محمود الوهب قراءة نقدية سمّاها "انطباعية" حول قصص أبو معتوق ومحفوظ. عن قصة (أبو الريش) للأديب محفوظ رأى أنها "قصة تجعل المتلقي يعيش منذ البداية حالة الناس المهمّشين في أعمالهم وفي حيواتهم، وفي موضع نظرة الناس إليهم، فلا أحد في سياق الحياة ينظر إلى مثل هؤلاء الناس على أنهم بشر لهم رؤاهم ولهم تطلعاتهم وأحلامهم ولهم كذلك معاييرهم الإنسانية". أبو الريش واحد من هؤلاء هو لا يأبه أحد لوجوده الإنساني. وحتى حين يؤدي عملاً ما فهو عمل مأجور. وقد يحصل على تلك الدريهمات دون تقديم أي عمل ربما صدقة أو شفقة. ولكن هل هذا ما يسعى إليه أبو الريش؟ أو هل ذلك ما يسعى إليه الإنسان في نهاية المطاف؟ رأى الوهب أن (أبو الريش) يفتقر إلى أن يشعر الآخرون بوجوده الإنساني وبقدراته، وكذلك حين وقعت الواقعة وزلزلت أركان المدينة غاب أبو الريش وترك الناس في حيرة من أمرهم. وترك الكاتب أيضاً قارئه في حالة من التساؤل عن مصير (أبي الريش) الغامض.

‏عن السمات المميزة للقصة يلاحظ محمود الوهب أن محفوظ في قصته ربما سلك مسلكاً تقليدياً لجهة بداية القصة وخاتمتها مروراً بعقدة ما وهي تجاهل الناس لـ (أبي الريش)، أو وصف حياته على نحو يجعل القارئ يلهث خلف نهاية ما، إذ لابد لحياته أن تتكشف عن شيء ما، وهذا ما يجعل القصة تنتمي إلى الحداثة أو تدخل عالمها من خلال تلك الفجوات الغامضة التي تحيط بشخصية البطل، بحسب رؤية الوهب.‏ عن مشاركة الأديب أبي معتوق رأى محمود الوهب أن القصة عنده صورة تتناسل من بعضها وتتناثر في فضاء مخيلة المتلقي. وعبثاً يحاول المتلقي أن يعثر على المكنونات الجمالية للنص أو عما يريده الكاتب من أفكار وأهداف إذ إن الأفكار عند (أبي معتوق) تحسّ بالتفكير الكلي للإنسان انطلاقاً من العقل وانتهاء بالمشاعر والأحاسيس.