حكاية كل يوم في حلب .. والناقد الكواكبي
حكاية كل يوم في حلب .. والناقد الكواكبي
د. محمد جمال طحان
وسط أجواء حالمة في بيت حلبي قديم تتوسطه بِركة وتحيط به الأشجار من كل جانب، أقام (المعهد الفرنسي للشرق الأدنى) في حلب محاضرة تحت عنوان: (الفيلم السوري القصير: أسئلة الاتجاهات الجديدة) للناقد والمخرج السينمائي فاضل الكواكبي في مقر المعهد في حلب دار حمّاض- حي العقبة. وقد سبق المحاضرة عرض أربعة أفلام قصيرة، هي: شمس صغيرة- وداعاً- مونولوج- حكاية كل يوم. ما يجدر ذكره أن فلم مونولوج للمخرج جود سعيد حصل على الجائزة الفضية في مهرجان دمشق السينمائي. ويحكي الفيلم عن رجل وحيد يعيش أحلام اليقظة، ترافقه قطّة في غرفة ضمن بيت دمشقي قديم، له شبابيك تطل على الجيران. أما فيلم (شمس صغيرة) للمخرج (ألفوز طنجور) فهو يبرز جمالية مدينة دمشق من وجهة نظر طفلين، يتناقشان حول جمال دمشق وقبحها. فيلم (حكاية كل يوم) للمخرج نضال حسن يتحدث عن علاقة امرأة بزوجها وبرجل آخر.
عن هذه الأفلام تحدث الناقد السينمائي فاضل الكواكبي الذي قدّم في البداية لمحة موجزة عن مخرجي الأفلام التي عُرضت، ورأى أن السينما السورية عانت في مراحلها المختلفة عدم وجود أجيال جديدة منذ الثمانينيات حتى التسعينيات. وحدث لفترة طويلة عدم وجود تجارب جديدة للسينما السورية، وظلت الأسماء القديمة تتكرر إلى أن عادت مجموعة جديدة من المخرجين الموفدين في التسعينيات. هؤلاء المخرجون عادوا بمدارس جديدة. المخرج نضال حسن درس في أرمينيا، بينما درس جود سعيد في فرنسا، ووجود اسم عبد اللطيف عبد الحميد في كل الأفلام هو عملية إدارية بحتة، وينبغي أن ننتبه إلى ذلك.
ونلاحظ في هذه الأفلام أمزجة مختلفة وتوجهات مختلفة وحِرَفية مختلفة في الأفلام التي عرضت، وعلاقة المخرجين بالتعامل مع الصور. ويبدو أن المخرجين قادرون على التطور إذا استطاعوا أن يتحرّروا من السلبي المشترك بينهم، وهو الذهنية وعدم الإخلاص للخيارات الشخصية، وهذا الأمر موروث في السينما السورية. إن الخيار الشخصي للمخرج هو الذي يصنع فلماً سينمائياً بعيداً عن الخطاب الإيديولوجي الذي يرغب في قول كل شيء، ويقوله بطريقة ضعيفة، وهذا ما نستطيع أن نلاحظه في فلم طنجور الذي يزج في الفيلم، قضايا مختلفة منها الاعتقال. نفس الأمر يقال عن فلم نضال حسن الذي يزجّ بذهنيته في الفيلم، مع أنني أراه أكثر حِرَفية ومع أن فلمه لا يشتغل كثيراً على الجماليات، كما أكد فاضل الكواكبي. بينما يشتغل جود سعيد في فلمه الثاني على الصورة، إنه يريد أن يري الآخرين ما يريده مع أنه انتهى إلى غربة حقيقية. إن فلم (مونولوج) كان من المفترض أن يتحدث عن العلاقة بين الشرق والغرب، وعن هذا الطالب الفاشل المستأجر.
الفلم سجّل صورة سطحية لهذه العلاقة، وهي (كليشيه) مصنوعة مسبقاً لتقديم هذه العلاقة، فقدم العقدة من الفرنسي بشكل ساذج. ونجد مكاناً غريباً لم نتعاطف معه أبداً، رغم أن المخرج اشتغل على الصورة كثيراً. لقد تعامل المخرج مع الفلم بصورة سياحية. ورغم أن نضال حسن قدم فكرة تقليدية غير أن الحوار الذي قدم كان حواراً سينمائياً وقدم بصريات ناجحة للحديث عن الفكرة الغامضة. وأنا أميل إلى هذا الفلم، كما أكّد المحاضر، وأضاف: نحن في هذه الأفلام نحاول التركيز على الحديث عن طريقة التعامل مع المادة ومعالجتها سينمائياً. في فلم (وداعاً) الذهنية خيار فني للمخرج، والفلم يمكن يُقرأ بمستويات متعددة، وفلم نضال يشبه الأفلام الطويلة أو حتى يقارب المسلسلات، ولكنه ينقذ نفسه من خلال التخييل. في (مونولوج) هناك كثير من اللقطات التي يفترض أن تكون واقعية، لكنها غرائبية، وهناك هوّة واسعة بين الرؤية والمادة.
قدّم المحاضر الباحث محمد جمال باروت، مدير المعهد، وتخلل المحاضرة حوار مفيد شارك فيه كلّ من د. فؤاد محمد فؤاد، ود. عمرألتنجي، وآخرون. وأكد المخرج والناقد السينمائي فاضل كواكبي، في نهاية حديثه، قلة الاهتمام بالفيلم القصير في سورية، مشيراً إلى أن بعض المخرجين يعدّونه مجرد وسيلة للعبور إلى الفيلم الطويل.