فندق بارون بحلب.. سجل ٌّذهبي ومشاهير الزوّار

د. محمد جمال طحَّان قرأها 830
  

فندق بارون بحلب.. سجل ٌّذهبي ومشاهير الزوّار

د. محمد جمال طحان

فندق بارون في حلب من الفنادق النادرة التي لديها طقوس خاصة للإقامة، وقد حرص أصحاب الفندق أيضاً على إبقاء الغرف التي أقام فيها المشاهير كما هي بأثاثها ومقتنياتها، فما زال السرير كما هو، وما زالت طاولات وكراسي الجلوس كما هي في كل غرفة من الفندق.

والزائر للفندق سيعرف مباشرة أن هذه الغرفة أو تلك أقامت فيها الشخصيات المهمة، فصورهم معلقة في الغرف التي أقاموا بها، وقد أبقى (مظلوميان) كل غرفة أقاموا فيها تحمل عنوان الشخصية التي نامت فيها عند زيارتها لمدينة حلب. وفي حديث لنا مع إدارة الفندق الحالية أفادتنا أن منشىء الفندق مظلوميان أسس سجلاً ذهبياً للفندق فيه أسماء كل من زار وأقام في هذا الفندق النادر كما يحوي كلمات وتقديرات عدد كبير من الشخصيات المهمة التي أقامت فيه. في الغرفة رقم (202) أقام لورانس العرب، وما زالت الغرفة من الداخل محتفظة بأثاثها وصورة له معلقة على جدرانها. وفي الغرفة 213 أقامت الكاتبة البوليسية الشهيرة أغاثا كريستي مع زوجها عالم ومنقب الآثار المستشرق مترماكس فالوين، وقد أنجزت في هذه الغرفة بعضاً من كتبها البوليسية والأدبية. كذلك أقام في الفندق أول رائد فضاء في العالم يوري غاغارين. وأقامت فيه أيضاً رائدة الفضاء الروسية فالنتينا تيريشكوفا.

أُنشئ فندق بارون بطابقين يحتويان على 31 غرفة نوم وحمامين، بين عامي 1906و1911. ثم قام الأخوان مظلوميان بتشييد الطابق الثالث في عام1942 وهو مؤلف من 17 غرفة مع حمام في كل منها. وافتتح الفندق رسمياً في عام1911 بحفلة راقصة كبيرة، وكانت الصالة مضاءة بفوانيس (لوكس) عندما كانت ظاهرة جديدة في المدينة، ولم يكن التيار الكهربائي قد وصل إلى حلب بعد. وكانت الفرقة الموسيقية العسكرية النمسوية تعزف في هذه الحفلة. وجرت العادة منذئذ على إقامة أمسيات راقصة أسبوعية نهار السبت.

وفي لقاء مع القاضي سعد زغلول الكواكبي عن ذكرياته حول الفندق، قال: "في بداية القرن العشرين وبسبب وجود فندق بارون والحركة السياحية النشيطة جداً في المنطقة بدأ يتشكل شارع منذ عام 1920 قرب مدخله الرئيسي الغربي، وظهرت على طرفيه مقاه عديدة. وكان نزلاء الفندق يحضرون حتى الصباح حفلات مغنيات هذه الحقبة ومغنيها، مثل أسماء المسلمانية التي غنت في عرس والدي، ومنيرة المهدية وجميلة شاكوش شقيقة المغنية بهية شاكالو وراحيل شاكالو، وبهية السوداء وسارينا. وهذه الأخيرة كانت تضع الطربوش الأحمر على رأسها وهي تغني. وكنّ يعملن في مقاهٍ وملاهٍ مثل البرتغال والشهبندر وطبخ نفخ ولونابارك والدوّار والجاويش باش والدلة وكيت كات والشبوطية والباريزيانا والفينيريس والبرازيل وبلانجيان ويريفان وغيرها، وكانت حلب مركز الغناء العربي الرئيسي في هذه الفترة حتى منتصف القرن بين مدن بلاد الشام كلها وكانت هناك فرصة حقيقية لاستمتاع هؤلاء الأجانب بالطرب الحلبي الأصيل وحتى مشاهدة أوبرا روميو وجولييت لسلامة الحجازي. وشهد الشارع مظاهرات عنيفة ضد المستعمرين واجتماعات سياسية صاخبة وألقى زعماء البلاد وبعض الأحزاب خطابات أمام الجماهير الحلبية من على شرفة الفندق، مثل الرئيس شكري القوتلي وجمال عبد الناصر وغيرهما وجرى تنظيم حفل تأبين للزعيم إبراهيم هنانو في سينما روكسي حضره سعد الله الجابري وشكري القوتلي وهاشم الأتاسي وفارس الخوري وغيرهم. وقد ألقيت خطابات عديدة من على شرفة فندق بارون بمناسبات كثيرة. وكان هذا الشارع قبل الاستقلال يسمى شارع غورو. وبسبب دور الفندق الوطني أعادت الدولة السورية تسميته بشارع بارون عام 1946. وكان الشارع قبل خمسينات القرن الماضي الشارع الأكثر نظافة وترتيباً وغنى وحركة سياحية وتجارية. 

وكان من الشخصيات التي نزلت بالفندق، كما ذكرنا، الكاتبة البوليسية أغاثا كريستي وروبرت برايتورد وأندرو مور وباولو ماتييه وهيلغا سيدن ومن السياسيين والعسكريين مصطفى كمال أتاتورك وشاه إيران ولورانس العرب والجنرال الألماني ليمان فون ساندرز. 

وفي لقاء مع سمير نحاس الذي يعمل في الفندق منذ عام /1975/، قال: (لقد نزل في الفندق أيضاً زعيم الجمهورية الفرنسية الحرة الجنرال ديغول يرافقه الجنرال كاترو. وألقى ديغول خطبة من على شرفة الفندق. من النزلاء أيضاً ولي عهد ملك السويد، ومن النزلاء العرب الملك فيصل بن الشريف حسين بن علي وسعد الله الجابري والمشير الركن عبد السلام عارف ومختار ولـــد دادا رئيس جمهورية موريتانيا وإبراهيم هنانو وفارس الخوري ونوري السعيد وعباس حلمي باشا والرئيس الرحل حافظ الأسد، والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الراحل).

وقد دخلنا الفندق وصوّرنا بعض الغرف التي كان يقطنها المشاهير،كما صوّرنا بعض الشاغلين من السياح، ومن خلال هذه الجولة تأكدت لنا أهمية الفندق، وسمعته التي ماتزال تجتذب النزلاء حتى الآن.