في الأدب والثقافة
ستبقى كلمة ثقافة مثيرة للجدل، لا من خلال دورها أو تأثيرها في الحياة العامة للناس، بل من خلال جوهرها وماهيتها، فليس ثمة تعريف دقيق في هذا المجال، إذ حتى بعض المفاهيم العلمية التي يظن أنها حقائق راسخة يأتيها البِلى فتطرد من أذهان الناس تاركة مكانها لمفاهيم أخرى جديدة تدعمها حقائق أكثر رسوخاً.
ولعلّي في هذه الزاوية أحاول إثارة مشكلة من خلال ما أودّ طرحه من أسئلة عن علاقة الثقافة بالأدب والفن تحديداً، ولماذا في بعض الأحيان يتوهم بعضهم أن الثقافة هي الأدب والفن فقط.
والحقيقة ليس ثمة وهم فها هي ذي الصفحات الثقافية على مدى الصحف جميعها والمجلات الثقافية على اختلاف توجهاتها تحصر موادَّها في هذين الجانبين، فهل الثقافة هي الآداب والفنون حصراً.
في محاولة لتتبع معنى أو معاني مفردة الثقافة، لا نجد المعنى ضيقاً أو محصوراً في جنس واحد مما يبدعه البشر، بل المعنى أوسع من ذلك بكثير. فالمفردة العربية في أصل معناها تعني الحذق والفطنة، وهي بحسب مجمع اللغة العربية (العلوم والمعارف والفنون والآداب وشؤون الحياة التي يُطلب الحذق فيها، وهي أيضاً كل ما صنعه الإنسان في بيئته، مادياً كان أو معنوياً، كالمنشآت والمخترعات والاكتشافات والأجهزة والقوانين والأنظمة..إلخ). وكذلك يرى بعض المتخصصين الأوربيين في هذا المجال وهو روبرت بيرستد: (أن الثقافة هي ذلك الكل المركب من كل ما نفكر فيه أو نقوم بعمله أو نتملكه كأعضاء في مجتمع).
بينما يرى إدوارد تايلور في كتابه عن الثقافة البدائية أن الثقافة (هي كلٌّ مركب يشتمل على المعرفة والمعتقدات والفنون والأخلاق والقانون والعرف وغير ذلك من الإمكانات أو العادات التي يكتسبها الإنسان باعتباره عضواً في مجتمع).
وقد رأى العلماء (السوفييت سابقاً) لدى بحثهم في الحدود التي تفصل بين الطبقات الاجتماعية وفي سعيهم لتحديد أو تأطير شرائح المثقفين من خلال الأعمال التي يقومون بها، فرأوا أن كل الذين لا يعملون بأيديهم مباشرة ينتمون إلى شرائح المثقفين أو (الإنتلجنسيا). وقد لا يهمل هذا التعريف على نحو ما، أو هو لا يجرّد الذين يعملون بأيديهم مهما كانت طريقة عملهم بدائية، من انتمائهم وإن على نحو محدود إلى عالم الثقافة. إذ لا بد لهؤلاء من استخدام عقولهم، أعني استخدامهم لمعارف وخبرات سابقة، إضافة إلى إجراء محاكمات ذهنية لا بد منها قبيل الشروع بالعمل المعني أو خلاله. فليس العمل المادي المباشر مفصولاً كلياً عن مخططه النظري، تشير إلى ذلك النتائج التي تظهر في نوعية العمل المنجز، والفوارق الجمالية أو الفنية في الأعمال المنفذة.
والثقافة من جهة أخرى هي الطريق المتميز لحياة الجماعة، وإذا كانت الثقافة لا تحيا إلا بوجود المجتمع إلا أنها تمدّه بالأدوات اللازمة لاطراد حياته وتنميتها، ومن هنا أيضاً يمكن الإشارة إلى أهمية الثقافة بل إلى دورها الرئيس في تنمية المجتمعات البشرية وتقدّمها.
إذاً ليست الثقافة هي هذا الجانب الروحي من حياتنا الذي يعيش على الآداب والفنون ويرتقي بهما، بل هي أوسع وأشمل وأعم، وهي جزء لا يتجزأ من أي نشاط مادي يقوم به الإنسان، بل هي جزء لا يتجزأ من أي وجود مادي. أما لماذا توافق الناس بكل شرائحهم على أن الثقافة هي الفنون والآداب فحسب، وأن من يبرع بهما على نحو ما يُعَدُّ مثقفاً، فلأن الآداب والفنون في اعتقادي موضوعاتها شتى وهي تتصل بكل ما ينهض به الإنسان، فالآداب والفنون تعكس وجه الحياة على نحو ما، والأدب الحقيقي أو الفن الحقيقي هو ذلك الذي يبدعه إنسان. واسع الثقافة، أي واسع المعارف والخبرات، مثلما هو واسع النظرة إلى الحياة التي يعكسها في إبداعه. ما أريد قوله إن الأدب على سبيل المثال يستطيع أن يتناول في ثناياه موضوعات سياسية واقتصادية واجتماعية وطبية وهندسية وحقوقية وتربوية..إلخ. بينما المبدعون في تلك المجالات، لا يتعدون في إبداعهم حدود مهنهم تلك.