في القصة والشعر والرواية

محمود الوهب قرأها 454

كثيراً ما تثار مقولة (إنّ الرواية هي ديوان العرب)، وإنها اليوم، وكذلك في المستقبل المنظور، ستأخذ مكان الشعر، وستحلّ محله بالكامل. والحقيقة أنّ تلك المقولة قد تحققت فعلاً، ولكن في عالم القراءة لا في عالم التأليف، فاجتراح مغامرة الشعر لا تزال قائمة على أشدّها، ولا يزال الشعراء ينمون كالفطر، بل إنهم يتكاثرون على نحو يغالب حال النمو السكاني الذي تزعم حكومتنا أنه يعيق خططها التنموية، وأنّه السبب الرئيس في كل معاناتها وتقصيرها تجاه رعاياها من المواطنين الطيبين الصابرين.. المهم أن هذا المدَّ الشعريَّ الطاغيَ الذي نشهده لا يوقفه، أو يحد من طغيانه عزوفُ القراء أو النقاد عن متابعة الأعداد المتزايدة من دواوينهم الشعرية التي أخذت تضيق بها المكتبات الخاصة والعامة وعموم مستودعات اتحاد الكتّاب ووزارة الثقافة ومختلف دور النشر أيضاً.

أما الرواية العربية، فلم تعد اليوم تزحف لتأخذ مكانها المبشّر به، بل هي الآن تتمثل تلك المقولة على أرض الواقع تمثلاً فعلياً بكل جدارة واقتدار!.

لماذا يحدث ما يحدث؟ وما هي الدواعي والأسباب التي تجعل الشعر منبوذاً على هذا النحو الذي يدعو إلى الرثاء والعطف!؟..

يبدو لي أنّ الشعر بعد أن نزل من عليائه أو من أبراجه العاجية التي كان عليها، كما يحلو للنقاد الوصف، في قصور الملوك وبلاطات السلاطين هادفاً إلى اندماجه بالشعب وأبنائه البسطاء، وعاش زمناً أحزان دنياهم لم يجد سبيلاً إلى المتابعة.. إذ ظلت صياغة عبارته أمينة للشعر الخالص، ولا يمكن لها، بالطبع، أن تكون غير ذلك، وقد ظلت كذلك متساوقة مع خيال صنّاعه، تحمل في ثناياها رؤاهم الفردية، وتنطوي على معاناة دواخلهم المنغلقة أحياناً، محلقة في أحايين كثيرة في سماوات بعيدة، فهي على ذلك النحو تغدو عصيّة على عالم هؤلاء المساكين، بعيدة عن الدخول في متاهات بؤسهم!..

أما الرواية فقد استطاعت أن تشقّ طريقها إلى حياة البسطاء من الناس وأن تعيشها جداً ولهوا.. حزناً وفرحاً، وأن تدوّن مفرداتها الصغيرة ومكوناتها الرئيسة وبالأسلوب القريب من مفاهيمهم وتصوراتهم ومن حسهم الجمالي أيضاً، وكذلك باللغة الحية التي يعالجون شؤونهم بها، ويفهمون أسرارها. وها هي ذي الرواية تعيش حياة الناس العاديين حياة المجتمع كله بما فيها من حراك سياسي واقتصادي وثقافي، إنها المؤرخ الحقيقي، وإن على طريقتها، لأحوال الناس الذين يصنعون الحياة ويعانون همومها، وتفصّل الرواية في أبعاد تلك المعاناة وفي أسبابها المخفية، فتبرز بطولات هؤلاء الناس وتناصر قضاياهم ولا تغفل عن تلمس خلجات قلوبهم وهواجس أرواحهم.. وبكلمة يمكن القول إن الرواية اليوم هي المرآة الحقيقية، المرآة التي تعكس صادقة حياة الناس الذين أغفلهم التاريخ، متعمداً، زمناً طويلاً!..

أما القصة القصيرة التي أضاءت بعض هذه المسائل الحياتية من شؤون الناس في وقت ما وكرست نفسها جنساً أدبياً له روّاده وعشاقه، فإنّها اليوم تشهد تراجعاً واضحاً عن تلك البداية إذ تنشغل بهندستها الخارجية تحت زعم التجديد والتحديث. وبذلك فقد صارت لها هذه الخصوصية التي تقربها من الشعر فلا يقارفهما الجمهور الواسع من القراء على قلتهم أصلاً، وهكذا هما اليوم يتعيشان على بعض أفراد النخبة!.