العقل أولاً
في الفترة التي كنت أقرأ فيها كتاب (علمانية الإسلام والتطرف الديني) لمؤلفه إسماعيل حسني، صادف أن تعرض سماحة مفتي الجمهورية العربية السورية الدكتور الشيخ أحمد بدر الدين حسون لهجمة غير نظيفة، أدارها بعض الأصوليين، وجلّهم من الإخوان المسلمين المروجين للمذهب الوهابي، الذي وضع نفسه وإمكانات من رعاه في خدمة أعداء العرب والمسلمين..
وأولهم إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية. ولسنا بحاجة في هذه الزاوية الصغيرة إلى لحجج والبراهين الكثيرة لبيان أنواع تلك الخدمات، ولا لعرض الأرقام المقدرة بمليارات الدولارات التي دعمت على نحو مباشر أو غير مباشر أولئك الأعداء، فمعرفة هذه الأمور صارت من البديهيات، ويمكن لمن يريد الاستزادة مراجعة بعض كتب الصحفي التوثيقي محمد حسنين هيكل.
ولمّا كنت ميالاً للعمل بروح الدين، لا بأطره، وآخذاً بالحديث الشريف: (الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها التقطها). رحت أدقق في مفردات الكتاب الذي أقرؤه، وفي تعابيره وحوادثه، وأقارنها مع ما أعرفه من آراء سماحة المفتي وأفكاره، يطلقها في لقاءاته المفتوحة مع الآخرين على اختلاف أديانهم ومذاهبهم وطوائفهم وتوجهاتهم السياسية، اعتقاداً منه أن الإسلام في عمقه وروحه لا يختلف مع كل من يسعى صادقاً لرفعة الإنسان وسموّه، ومع تنمية حياته، وطلب الحصول على أمنه واستقراره.
وانطلاقاً من ذلك فهو، أي سماحة المفتي، يسعى لإيجاد لغة مشتركة بينه وبين بني الإنسان جميعاً، متمسكاً بثوابت لا يحيد عنها مهما كانت الصيغ التي يختارها وعاءً لأفكاره. وأهم تلك الثوابت إيمانه بالله الواحد صاحب الأديان التي لا بد أن تلتقي فيما بينها، وتتكامل، ما دام المُنْشِئُ واحداً. وإيمانه كذلك بأن الإنسان واحد، وهو خليفة الخالق الواحد في الأرض. وعلى ذلك فمصالح الإنسان واحدة، وهي ليست بحاجة إلى أكثر من صدق النوايا، وحسن المقاصد، وإبعاد المصالح الفردية الخاصة. وثالث ثوابته دفاعه أيضاً عن وطنه سورية، وعن دينه الإسلامي، وعن المسلمين عامة ضد هذه الحملات الظالمة التي تشنها الولايات المتحدة الأمريكية، وتذكي شرارة نيرانها إسرائيل الصهيونية. وهو يختار لردوده الدفاعية، أو لهجومه المعاكس، إن شئنا، منطق العقل والحكمة، ولا يستخدم إلا اللغة التي يفهمها الآخرون الذين قد يقعون فريسة لأضاليل وحوش تلك الحملة الظالمة..!
وأعتقد أنّه يحقق من النجاح ما تعجز عنه الفضائيات العربية مجتمعة، لا بل إنّ معظم تلك الفضائيات لا تفعل أكثر من إعطاء هؤلاء الظلام الحجج والمبررات. ومنهم هؤلاء الدعاة الذين صاروا يعدون من أثرى الأثرياء الذين يتكسبون بألسنتهم.
وتعالوا نتصوّر لو أنّ سماحة مفتينا استخدم لغة هؤلاء الذين تعطل لديهم العقل، ووحَّدهم الجهل على مرّ الأيام والدهور، فأبعدهم عن جوهر دينهم سنين ضوئية، وجعلهم أكثر خطورة وعداء له من خصومه، فما الذي كان يجري؟!
وإليكم ما ينقله صاحب كتاب علمانية الإسلام عن كتب صفراء ما تزال تُدرَّس إلى اليوم في جامعة الأزهر فترفد سنوياً جيش المتطرفين في العالم الذين أعطوا بوش ويعطون غيره ذرائع محاربة الإرهاب الذي لا يرونه إلا في الإسلام:
(.. ويكفي أن نقرأ في الصفحة 125 من كتاب (الروض المربَّع بشرح زاد المستنقع) للمذهب الحنبلي بعض ما يخص حقوق المرأة:
(إن الزوج لا يلزمه كفن امرأته، أي ليس واجباً عليه دفع ثمن كفن زوجته! لأن الكسوة وجبت عليه بالزوجية والتمكن من الاستمتاع وقد انقطع ذلك بالموت، ولا يلزم الزوج لزوجته دواء وأجرة طبيب إذا مرضت، لأن ذلك ليس من حاجتها الضرورية المعتادة). وفي الصفحة 355 (له أن يمنعها من حضور جنازة أبيها أو أمها ومنعها من إرضاع ولدها من غيره، وله أيضاً أن يضربها ضرباً غير مبرح عندما تردّ عليه بتبرم.. وأن دية المرأة طبعاً هي نصف دية الرجل..) وعن عدد مرات الجماع يقول الكتاب:
( يلزمه الوطء إن قدر عليه كلّ ثُلُثِ سنة مرة وليس لها أن تعترض، ويجيز الكتاب التزوج بفتاة عمرها أقل من تسع سنين) ص370
وتفيض هذه الكتب بالعنصرية الدينية وكراهية الآخر فتقرأ في باب عقد الذمة وأحكامها:
( إن الذمة هي إقرار بعض الكفار على كفرهم بشرط بذل الجزية). ويجب امتهانهم عند أخذ الجزية ويُطالُ وقوفهم وتجر أيديهم وجوباً لقوله تعالى: (وهم صاغرون).
ويأخذ التمييز الديني صورة أكثر بشاعة حين يوصي الكتاب بوجوب حذف مقدّم رؤوسهم، وشد الزنار حول خصورهم، ودخولهم الحمام بجلجل أو خاتم رصاص برقابهم، وأنهم لا يركبون الأحصنة، بل يركبون الحمير..إلخ). ويضيف الكتاب (بأن مرشد الإخوان المسلمين السابق في مصر الذي أفتى بضرورة منع المسيحيين من التجنيد أو العمل بأجهزة الشرطة وغيرها. وعمر عبد الكافي وأمثاله معذورون إذا أفتوا بمثل هذا الكلام الأحمق المثير للفتن لأنها ثقافة طبعت على الكراهية والجهل والعنصرية).
وثمة كلام كثير ربما كان أكثر تعصباً ولا إنسانية، ولذلك نجد الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية في مطلع القرن العشرين، يقول في وصفه هذه البيئة الفكرية:
(إنه مكث عشر سنين وهو يكنس من دماغه ما علق فيه من فضلات الأزهر ولم يبلغ ما أراده من النظافة، وكان يطلق على الأزهر نعت الإسطبل والمارستان والمخروب).وعلى ذلك فقد قال قولته الشهيرة:
ولكنه دينٌ أردتُ صلاحه
أحاذرُ أن تقضي عليهِ العمائمُ
ويقول الشيخ محمد الغزالي في الموضوع نفسه: (نام علماء الأزهر وتبعهم المجتمع الإسلامي.) ويصف إسلامهم بأنه: (الإسلام الذي يدعمه الاستعماريون).
وبعد ماذا تراني أقول لسماحة المفتي بعد أن سمعت ما سمعت وقرأت ما قرأت على شبكات النت..؟!
في الواقع لا أجد في هذا المجال غير حقيقة واضحة هي أنّ جوهر الدين هو التمسك بالعقل مهما جرّ على صاحبه أو من يستخدمه وسيلة للعبور إلى حقائق الحياة من متاعب وأحزان، وخصوصاً حين تعطي ظروف الحياة، ومصالحها الأنانية الضيقة، دوراً أكبر للجهلة. إذ يصير بيت شاعر العرب وأحد حكمائهم، أبي الطيب المتنبي، خير مُعبِّر عن واقع الحال المؤلم:
ذو العقل يشقى في النعيمِ بعقلِهِ
وأخو الجهالةِ في الشقاوةِ ينعمُ
وما أظنك يا سماحة مفتينا الجليل، إلا وقد رضيت بهذا الشقاء، شأنك في ذلك شأن جميع الفاعلين المؤثرين، لا في مجتمعاتهم فحسب، بل في حركة حياة الإنسان الصاعدة أبداً نحو الأفضل.. وهؤلاء الفاعلون المؤثرون غالباً ما يكونون من ذوي الهمم العالية، والعزائم القوية. إذ هم كما قال شاعرنا:
على قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ
وتأتي على قدرِ الكرامِ المكارمُ
وتعظمُ في عينِ الصغيرِ صغارُها
وتصغرُ في عينِ العظيمِ العظائمُ
وكيف لا؟ وهم يركنون في حياتهم إلى العقل الذي لولاه ما كان الإنسان إنساناً، وما كان له ثقافة ولا فكر ولا دين ولا أية حياة تميزه عن مخلوقات الله الأخرى