شيء ما عن نجيب محفوظ

محمود الوهب قرأها 5
 

حين ارتجّت، كما تصورت طبعاً، جنبات القاهرة، بل جنبات مصر ودنيا العروبة كلها، بسبب النداء العميق الموجه إلى نجيب محفوظ والمحمّل برجاء أبي الهول الرابض بين أهرامات مصر منذ آلاف السنين أن يريح إلى جواره جسده الذي أعيته أربع وتسعون سنة وطعنة غدر من ظلامي جاهل، اعتذرت روح نجيب فقد سبقت وصيته النداء، وهو المصري الأصيل، إلى جوار مسجد الحسين في حي الجمالية الشعبي. ولعل هذه الوصية وحدها تفسّر شخصية نجيب محفوظ وأدبه اللذين كُتب فيهما وسيكتب ملايين ملايين الصفحات. وفي الوصية كذلك ردٌّ على أولئك الظلاميين الذين: (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون) (التوبة/ 32).


عرفت نجيب محفوظ منذ عرفت هواية القراءة، ولعله من ساهم في تحبيبها إليّ.

كنت حين أتابع شخصياته السياسية، وأنا الشيوعي (المتعصب) أحياناً والمحب لنجيب محفوظ جداً، آمل أن أجد ما أودّه، وأحاول أحياناً أن أحمّل الشخصية في قراءتي لها ما لم تحمله، إذ أتخيله من خلال أحداث أو مواقف قد صوّر شخصية الإخواني بما فيها من تعصب وأنانية وضيق أفق، على العكس من الشخصية الشيوعية التي تنظر إلى العالم برحابة.

هكذا حدث لي حين قرأت ميرامار، لكنني فيما بعد عندما ملت نحو الموضوعية لم أجد غير الروح الإنسانية العميقة قابعة في نفوس شخصيات نجيب محفوظ.

ولعلّي أيضاً أستنتج أن ما يعرِّفه النقد الأدبي بالصدق الفني، منفصل عن الأهواء والميول والآراء السياسية. فنجيب محفوظ الذي عبّر عن ارتياحه لمرحلة السادات لم يصور شخصية السادات إلا كما نظر إليها الشعب عموماً، وما أحدثته من ارتداد في مسيرة الحركة الوطنية العربية. أما الأمر الأكثر أهمية، وأودّ البوح به، فهو أنني رغم أدلجتي العميقة وكرهي الأكثر عمقاً لأمريكا وإسرائيل وللسادات الذي مهّد لهما في المنطقة، فأنا أعدّه السبب الرئيس في إيقاع الهزائم الحقيقية بالعرب بعد زيارته للقدس وتوقيعه فيما بعد اتفاقات كامب ديفيد، أقول رغم ذلك، لم أتضايق من آراء نجيب محفوظ ولم أتجرأ عليها. وقلت في نفسي لتترك للزمن فهو الذي يحكم عليها، ولم أحاول قط أن أخلط بين آرائه السياسية وبين أدبه، إذ لم أُرد في الحقيقة لأيّ أمر مهما عظم أن يفسد عليّ متعتي بأدب محفوظ الذي باشرته وأنا طالب. في دار المعلمين الابتدائية في حلب. وأذكر أن روايات عدة من روايات نجيب محفوظ لم تكن حين تمسك بها يداي لتغادرها إلا بعد أن أنهي قراءتها دفعة واحدة، لأخرج بعدئذٍ وأنا محمّل بما يمكن أن أتحدث به أمام أصحابي. ولم تكن المجموعات القصصية القصيرة بأقل شأناً، بل لعلها أكثر متعة وتشويقاً. فبعضها كان مثل أحجيات نمتحن بها فطنة بعضنا كقصة (ضد مجهول) من مجموعة دنيا الله، التي تحدث فيها عن فلسفة الموت ذاك الذي شغل ذهن نجيب محفوظ ونفسه كثيراً.

أذكر مرة أن أستاذي في دار المعلمين الأديب المرحوم جورج سالم استحسن لديّ، حين سألته عن معنى عبارة وردت في سياق قصيدة منشورة في مجلة (المجلة) المصرية، متابعتي لذلك النوع من المجلات الثقافية، ففاجأني في اليوم التالي بوريقاتٍ مكتوب عليها كتابات بقلم الرصاص، وفيه (شخط) كثير، لكنني استطعت قراءتها وأنا في غاية الفرح والمتعة. وما كانت تلك الوريقات إلا دراسة عن رواية نجيب محفوظ (الشحاذ)، وكان جورج سالم يقارن في دراسته تلك بين شحاذ نجيب محفوظ والسأم لألبرتو مورافيا، في دراسة تأخذ من الفلسفة الوجودية أساساً لها إذ عالجت الروايتان في شكلين يتقاربان أحياناً ويبتعدان أحياناً أخرى في مسألة فهم أسرار الحياة وغاياتها وجدواها..إلخ.

كثيرة ذكرياتنا عن نجيب محفوظ ولعلّ أطرفها حديثي عن رواية (أولاد حارتنا) لمسؤولي الحزبي الأول لدى عودتنا من قرية ترحين إلى قرية قباسين، وهما قريتان شمال شرق حلب، ونحن على ظهر حمار أبيض ضخم، أمنه لنا الرفيق المرحوم جرّاح الحسن الأمر الذي دعا مرافقي ليعود إلى مسؤوله الحزبي الآخر ويقول له: إنه -ويعنيني أنا- جاهز، أي لا أحتاج إلى تثقيف كبير فالمسائل الأساسية واضحة عندي، وهكذا كان نجيب محفوظ مثل وسيط بيني وبين الحزب الشيوعي.