في أدب الرحابنة وجمالياته
منذ أربعين عاماً، كنا حينئذ طلاباً في دار المعلمين الابتدائية بحلب، وكانت الدار في ذلك الوقت تجتذب خيرة الأساتذة، أذكر من بين هؤلاء الشاعر سليمان العيسى، والأديبين خليل هنداوي وجورج سالم. وكان الثلاثة يتوزعون فيما بينهم دروس اللغة العربية في صفوف الدار، في ذلك الوقت كانت معركة الشعر بين قديمه وحديثه حادة، وكانت الدعوة إلى الحداثة والتجديد تطول كل شيء. وكان على المجددين أن يبذلوا كل ما في وسعهم لإثبات صحة ذلك الجديد وجمالياته، وخصوصاً أن المحافظين كانوا يتكئون على إرث كبير وتاريخ طويل يتعلق باللغة التي كانت موضوع صراع أكثر من غيرها. وجرت معارك طاحنة بين الفصحى والعامية. وكان على المجددين أن يبحثوا على نحو أعمق في كنه الشعر وأسراره ومواطن جمالياته، وكان الشاعر المدرس سليمان العيسى من بين هؤلاء الذين يجدون في طلاب الدار مستقبل الأمة على الصعد كافة. فكانت الحوارات بين الأساتذة والطلاب تأخذ حصصاً بأكملها، فكيف إذا كان الحوار يمت بصلة عميقة إلى موضوع الدرس.
أذكر أن سليمان العيسى كان يقرأ علينا بعضاً من الأزجال التي تغنيها فيروز، لافتاً إلى مواطن الجمال التي يحسها السامع من دون الإمساك بها. ومن ذلك، (جايبلي سلام عصفور الجناين، جايبلي سلام من عند الحناين، رفرف جناحاته ع شباك الدار، متل اللي بريشاته مخبِّي سْرار سْرار).
منذ ذلك التاريخ تعلقنا بفيروز وبالزجل عموماً، وأخذنا لدى سماعنا أية أغنية نبحث مستمتعين في مواطن جمالها المختلفة لغة ومعنى وموسيقا.
وأنبه إلى أن الوزن وجماليات اللغة لا يغيبان عن الزجل.
اليوم يعيدنا الدكتور مفيد مسّوح من خلال كتابه المعنون بـ (جماليات الإبداع الرحباني) إلى ذلك الزمن البعيد، ثم يصعد معنا وقتاً وقتاً مع مسرحيات الرحابنة التي انسابت حلاوة من حناجر عشرات المطربين والمطربات، وفي مقدمتهم فيروز، لتبشر بحياة جديدة تتلهف إلى الخير والسلم وزوال الشر. يقول هنري زغيب مقدم الكتاب:
(بحب كثير قشّر مفيد مسوح كل مسرحية كما يقشر العاشق وردة من حبيبته، فيختار بتلاتها بحنو وحنان، حتى إذا تعرّت الوردة من أوراقها عاد فضمها إلى جُمع كفه، وذرها في فضاء المدى الوفي كي ينثر أرجاءها في الأثير حاملاً نكهة الإبداع الرحباني الذي عرفه الناس طوال أكثر من نصف قرن).
إنها القراءة المفعمة بالحب ليس للشعر وحده، بل للموسيقا وللغناء وللتراث وللمضامين الإنسانية، وللرؤية العلمانية التي تستند إلى الواقع المادي واحتياجاته، وإلى هؤلاء الأشرار الذين يزرعون دروب الحياة بالنزاعات ليستثمروها لمآربهم الشخصية. ففي مسرحية (الليل والقنديل) يرمز الرحابنة بالضوء إلى الحقيقة التي تمحو الخوف (مؤكدين روح التضامن لدى أغلبية الناس تجاه عمل الخير وقهر الشر وسيادة المحبة والطمأنينة). يحلل الكاتب عبارتي (صباح الخير) وردّها (صباح النور) مبرهناً على أن النور الذي يولده القنديل في المسرحية يكشف (رونق الحياة وجمالها وخيرها وباعث الأمل في النفوس والمحرّض على المحبة).
أما مسرحية (دواليب الهوا) التي قدمتها فرقة الرحابنة في مهرجانات بعلبك الدولية 1965، فتشير دواليبها إلى حركة الحياة وتقلبها وعدم بقائها على لون ما (الدواليب عم بتدور ومش راح فيك توقِّفها يا فهد العابور). وفهد هو الإقطاعي الظالم الذي يحاول إيقاف حركة الحياة عند مصالحه، فيعمل على (نشر روح الشقاق في صفوفهم وزرع مشاعر التشكك وعدم الثقة فيما بينهم، وإن احتاج الأمر إلى القسوة والتجويع والتخويف وغير ذلك من أشكال الإرهاب).
هكذا هي أغاني الأخوين رحباني ومسرحياتهما (تاريخ بدأ بالكفاح ومواجهة التَّحدي) لما كان سائداً حتى الخمسينيات خلال حقبة أغاني الصالونات وماشابه.
يصعب الحديث في هذه الزاوية عن كتاب درس في جزأيه سبع عشرة مسرحية على مدى ثمانمئة وستين صفحة من الورق الصقيل، ومن تلك المسرحيات (موسم العز، بياع الخواتم، الشخص، يعيش يعيش، صح النوم، المحطة، لولو، بترا).
كثيرون توقفوا عند إبداع الرحابنة، ومفيد مسّوح واحد منهم، وهو لون آخر يضيف بقراءته أفقاً جديداً، ويستخرج مما في حديقة الرحابنة من غنى وثراء. صدر الكتاب بمناسبة إحياء ذكرى عاصي الرحباني التي مرت يوم 21 حزيران 2006 إذ مضى على رحيله عشرون عاماً. والكتاب صادر عن دار بيسان / بيروت.
نشرت في العدد - 275 من صحيفة النور الصادر في دمشق بتاريخ 27/12/2006
لقراءة مقالات مماثلة في كتاب "جماليات الإبداع الرحباني" اضغط هنا