كارمن الغجرية أشعلت حمية شيبل والأوركسترا السيمفونية لبَّت المشهد

مي منسى قرأها 8
  

قيل عن أرتور رودزنسكي البولوني حين كان يقود الأوركسترا الفيلارمونية الملكية انه كان يحمل مسدساً في جيبه حين يعتليffffffffffffgghiu6555555555543w.JPG المنصة ليدير الموسيقى. الطرافة هذه من الخيال طبعاً لكنها أفضل تعبير عن فنان عظيم يتعامل مع التفاصيل بقسوة بالغة. لقد كان بنّاء أوركسترا من الطراز الأول. هذا ما نلاحظه حين يكون فويتشك شيبل على المنصة، البولوني كزميله رودزنسكي، الجامح في قيادة الأوركسترا، كأنه يدير جيشاً على جبهة محمومة، والأوركسترا السمفونية المدعوكة في أنماط عديدة، ترفع إيقاع السرعة إلى حيث يعلو بها هذا الفنان إلى أقسى درجة من الشاعرية، كما الأحاسيس المثيرة بشهواتها.

بمقاطع من أوبرا "كارمن"، استهل بعصاه الملوحة إلى الطبول كما إلى الهوبوا والكمانات أمسيةَ الجمعة في كنيسة القديس يوسف للآباء اليسوعيين، رافعاً هذا المشهد الغجري إلى ذروة المشاعر العنيفة، العشقية والشبقية. هكذا اعتدنا فويتشك شيبل ذائبا في الجمل الرومنطيقية، عربيداً يقتحم نار الموسيقى ويفصّل إيقاعها حسبما تمليه طبيعته الفوّارة الدينامية.

أوبرا "كارمن" المدرجة في برنامج "مهرجان البستان" في أسبوعه الختامي، أعطتنا منها الأوركسترا السمفونية أجمل المقاطع والأكثر إثارة في النفس، لا سيما البريلود الذي به دخلنا قلب التراجيديا، تراجيديا الحب والكراهية والموت. كأن طلقات عيارية تفشّت في القاعة، في حين ان الأوركسترا راحت تفجر بالطبول والأبواق المناخ المرسوم بألوان فاجرة في تنوعها الهارموني، آسرة بنتوءاتها الميلودية، فريدة في خصائصها التي لم ينجح موسيقي في العالم، في تقليدها.

من هذه الأجواء التي تثير المتلقي وتهيج الآلات، رقصة دفوراك السلافية من بين ثلاث رقصات كانت الأولى العارمة بالتعابير القوية، المسلوخة من لب الفولكلور ووقعه العنيف، في هذه الملوانة من المشاعر المشرئبة والكتابة الأنيقة. فكما انتقلت الحمية من الأوركسترا إلينا في "كارمن" كان المشهد فاتنا، جباراً في هذه الرقصة التي تلتها ثانية مائلة إلى التأمل والحلم. وتبقى هذه الأعمال الثلاثة كما ارتأى شيبل تصميمها الأوركسترالي، آيات من الجمال الفولكلوري والرؤيا المنسوجة على قاعدة رائعة. العنف والعذوبة وكل هذه التناقضات لا تتخاوى وبشكل مجاني زهيد بل بموهبة الإبداع في أدق التفاصيل. ويأتي براهمس في رقصة مجرية نتلقى منها واقع أرض وشعبها. في هذه الأمسية كثر على غير عادة الإيقاع الراقص آتياً من الحياة الأريستوقراطية وأعيادها، كما في ما قدمته الأوركسترا من فالس وكادري ليوهان شتراوس، أو رقصة الفالس الفاتنة في باليه "الجميلة النائمة" لشايكوفسكي أو النمط الفولكلوري مع دفوراك وبراهمس. الموسيقي الوحيد الذي ظل خارج هذا المناخ هو ماكس ريغير المُتَرَوْحِنُ في الموسيقى الكلاسيكية والحنان الرومنطيقي. معه أخذنا إجازة قصيرة من الرقص والدوران في فلك الفالس الأنيق، الشفَّاف. موسيقى تقترب في سمعنا من موسيقى براهمس والنَّبْض الخفي الساطع بكتمان. وتبقى الغجرية كارمن رفيقة الطريق بعدما انتهت الأمسية ولم تتوقف عصا القائد يحرّك بها المشاعر الأقوى.

eeeeeeeeeertyuioiuyt6666ggtgttt.JPG