بين لحظة... ولحظة... لحظات!

جيسيكا قسيس قرأها 1,252

بين حفيف الأوراق، بين همسات الحبّ، بين أصداء الأجراس، بين صرخات الاستغاثة... لحظات صمت، لولاها، لما تناهى إلينا صوت الربيع، ولا رقصت قلوبنا على أصوات الأفراح، ولا ذوّبتنا ﺁلام الأحزان.

بين نظرة... ونظرة، نظرات لا تطالها يد، ولا تنالها سوى ملامس القلب بشفافيّتها ونعومتها.

بين دمعة... ودمعة، لحظات أعمق من قطرات تحسّر... فالحرقة لا تكون مالحة تتسابق على براءة الوجنتين، بل بصميم معذّب يدمع من جوهره.

بين دقّّة القلب... ودقّّته، استراحة.

 بين قبلة... وقبلة، تنهيدة.

 بين لحظة... ولحظة... لحظات!

في عصر تداخلت فيه الثواني لتمحو بعضها بعضا، بات الصمت غير مسموع. وإن سمعناه، تجاهلنا ما يسرّبه إلينا من أسرار!

إن أشعلت شمعةً في وسط غرفةٍ سكنها الظلامُ وتآكلتها الوحشة، بَعثت شعلة الضياء بروحها لتكسر صمت السواد السائد، واحتلّ توهّجّها الهدوء المسيطر، ثمّ أخذت بالذوبان، قطرة... فقطرة... لتمتزج بقاياها وتتعانق، لتنسال خاسرة شكلها، متجرّدة من كيانها، محوّلة نفسها الى كائن قبيح.

أهذا ما بتنا عليه؟ شموع تذوب لتتآكل نفسها بنفسها؟! ولمَ نخشَ الصّمت؟ لمَ نهاب الهدوء؟ لمَ نخاف الرجوع إلى النفس؟ لمَ نتطلّع بشغف إلى اللّحظات القادمة، وننسَ اللّحظة نفسها؟

في عصر حيث بات الصخب هو الوحيد المسموع، انمحى الصمت عن صفحات الأيّام كما انمحت هويّاتنا تحت أنقاض وعود المستقبل. باتت مشاعرنا وأفكارنا مجرّد ذكريات لمستقبل واعد، قبل أن نستمتع بها ونحياها  كحاضر رائع.

بين موجة... وموجة، راكب يواجه بكلّ ما أتاه الّلّه من قوّة ليستغلّ الّلحظة نفسها فيطير محلّقا على قمّة المياه. لو انتظر الّلحظة المقبلة، لقبع منتظرًا والمياه الباردة تتخبّط على أطراف لوحه.

أوتظنّون أنّ أوراق الخريف لا تتلذّذ باستسلامها لرياح الوداع؟ أجل...

إنّها تحتضر! نعم... ستّطمرها الثلوج في أعماقها الدفينة، ومع ذلك نراها قبل ذلك تطير! تحلّق! وكأنّ الهواء يراقصها للمرّة الأخيرةفي رحابة الضياء..

في عصر حيث التفكير بالمصير هو ما يقلقنا، حيث أوهام الأحلام تخدّرنا، تجرّد الجميع من كونهم أحياء... وكأنهم يخافون الاستمتاع بحاضرهم. غرزوا أظافرهم بعنف في خيطان المستقبل وغشاوته، جاهلين أنّ لا مستقبل دون حاضر! لا طموح دون ركائز لتطلّعاتهم... ولا أهداف من دون رغبات ملموسة.

تنظرون الى أحداث الماضي تقبع في ذاكرتكم كنقوش على أبواب الكهوف، أفعلاً استمتعتم خلال هذه الذكريات؟ أحقّا أطلقتم كلّ الضحكات الّتي أودتم اخراجها فرحا؟ أذرفتم كلّ دموعكم كاسرين قيود غضبكم محرّرين عندها أحزان ماضيكم... ﺁهات حاضركم؟

لا!! وألف لا!! لأنّ بين كلّ ضحكة... وضحكة، نفسٌ. بين القبلة... والقبلة، تنهيدة. بين  الدمعة... والدمعة، دموع لا تُذرف. اذ بين لحظةٍ... ولحظةٍ... لحظات!

لا تخشوا استغلالها! وﺇلاّ بات مستقبلكم هو أيضاً، حاضراً... هامداً... ينتظر مستقبلاً يحييه.