غرباء اللبانينيون ... خلف القناع الأسود (1)
ظهورٌ فإختفاء... شروقٌ فغياب... سلام فوداع... ضوء فسواد... ضوضاء فخمود... كلام فسكوت...
حياة... فموت.
هذه هي الحياة، والموت لغزٌ من ألغازها، مرﺁةٌ لضعف الانسان وعجزه. من يهدينا البراءة يخطف منا الحكمة، من يهدينا نفساً يحرمنا من ﺁخر. هذه هي الحياة، ولن تتغيّر، ولكن الإنسان هو الّلذي يتغيّر، وعلى من خُلّف عرضةً لتجارب الحياة حسن التصرّف.
خسارةٌ.. فصدمة! غضب ! حزن! قهرٌ! فجعة! ألمٌ! ندم! وتمنّي... فإستسلام لواقع ﺁخر من علاقم الحياة. لقد رحل الحبيب، رحلت الحبيبة، وما خلّفوا سوى أصداء ضحكاتهم، وصوراً تخزّن لا تمسّ كجراحاً إن نُظر إليها تنزف. استولت رائحة الموت على الأحبّاء وما إن يستنشقها الأهل حتّى يفكرون... مراسم الدفن!
غرباء الّلبنانيون فحتّى في الموت واجبات. وتنطلق الشائعات وتنتشر الأخبار كإنتشار الأمراض في الهواء: " شكلو قصة حب ما حب" - " متل ما أنا سمعت أكيد إنتحار" - " الله يساعد أهلو معترين" - " ضيعانا والله بنت متل القمر".
لمدة سنين تشاركوا الحيّ نفسه، وكل ما عرفوه عن بعضهم البعض الشائعات الملفّقة، المُطلقة فقط للذّة تبادلها. وفجأةً في الأحزان يبيت "الجار قبل الدار" والتعزية "واجب".
في مجتمعنا تنتظرالألسنة خطف روح لتجد ما تتداوله. الدفن غداً والأبواب مفتوحة للتعازي، وإذا بالجميع يهرول لإختيار أفخر الملابس وأجملها، تماماً كاختيار الأطفال لملابس العيد، ويطوفون معاً كالأشباح السود نحو منزل القلوب المفجوعة.
إن ارتديت حلّة الموت، تدخل. إن ارتسمت على وجهك تجاعيد الحزن والقهر على شخص ما عرفته إلا ميّتاً، تدخل. إن حفظت جمل التعازيّ، تدخل.
بالرغم من الخسارة التي منيت بهم، يحضّرون الطعام والمشروبات فمن واجبهم تقدمتها. بالرغم من تفشّي وباء الموت في زوايا منزلهم، يتقبّلون التعازيّ من وجوهٍ غير مألوفة. ولم تبكي أنتُ على حبيبي أنا؟ ولكن لا بدّ أن تبكي معي، لا بدّ أن اشاركك دموعي، فهذا واجبي.
يتمجلسون والكآبة تسيطر. تعلو الصرخات وتُذرف الدموع على روح الحبيب. بعضها شلالات تنبع من الصميم لتروي عطش النّاس وحشريتهم، وبعضها لألئ تذرف من العيون. وأخرى تزحف مرغمةً قطرات زائفة لا حزناً ولا قهراً، بل واجباً.
بين البكاء والبكاء همسات نقرأ بين سطورها الخبث والاحتيال، وبين الهمسات والهمسات نقرأ فواصل التمسّك المصيريّ بالعادات والتقاليد.
إنتهى الوقت، إن لم تلحق دورك بالبكاء تعال غداً. فيتبدّد الجمع ويرحل لخلع الأسود وغسل الأيادي والوجوه. يرحل الجميع ولا يبقى في المنزل إلاّ ما قد تبقى منه، وجوّ من الكأبة وعوارض الداء.
غرباء اللبنانيون خلف القناع الأسود، ففي تقدمة التعزية عزاء، وبتسلّمه المحافظة على الشرف والوفاء للهوية الّلبنانية.
غرباء الّلبنانيّون، كما خلف القناع السواد، غرباء في الحلل البيضاء.
يتبع...