قنديل.. وسط غابة من حديد

ندى عيد قرأها 834

قنديل.. وسط غابة من حديد

   ألإنسان هو نفسه في كل مكان.. بمشكلاته ومشاعره وانفعالاته.. وهو، على الرغم من التطور العلمي والثورات التقنية وثورة الاتصالات وغيرها من الثورات الاجتماعية وكل ما يمكن إضافته إلى لائحة طويلة، قلبت حياة الناس وعلاقاتهم، خصوصاً في السنوات العشر الأخيرة، وحياتهم مرشّحة للمزيد من التغيّرات مع استمرار التطور والتقدم... على الرغم من كل ذلك، ما يزال الإنسان في ذاته هو نفسه، بمخاوفه، وضعفه، وتردده، وكلّ ما يميزه عن غيره من المخلوقات، وفي مقدّمها النطق والوعي للذات.

***

   يحتل الحب الحيّز الأكبر من حياة الإنسان، بل كلّها.

صغيراً يمنحه حبّ والديه الأمان والقوة والثقة للمضي قدماً في حياته، وإعداد نفسه لمواجهة عدائية الحياة وغدرها، وفي مرحلة الشباب يبحث عن الحب ليثبت نفسه واستقلال كيانه، وأن هذا الكيان قادر على جذب الآخر لذاته ولكينونته، بمعزل عن أي آخر.. وبعدها يجيء دور الحب الكبير الدافع إلى الارتباط و«السند» المهم لسلوك دروب الحياة بـ «صعابها وسهولتها».. ثم حبّ الأولاد والتفاني من أجلهم، أو التفاني من أجل قضايا كبيرة التزم بها، وتبنّاها حتى صارت تطبع وجوده..

***

   يبقى الحب دائماً المحور، إذ يختار الإنسان مهنة يحبها، وإلاّ لكان أتعس الناس وأقلهم إنتاجية، ويختار آخراً يحبه ليلتزم به ويسعى ليشيخ معه (والكلام يجوز على المرأة  والرجل على حدّ سواء)، وفي حال سوء الاختيار تتحول حياته إلى جحيم بدوام كامل..

في كل مرة، جاء الكلام على السعادة ذُكر الحب، أو المال، والحب أهم، لأن غالبية فاقدي السعادة والباحثين عنها، هم من أصحاب المال، الذين بعد السعي المميت للحصول عليه طمعاً بالسعادة، يكتشفون بأن الحب أهم، وهو لا يُشرى بالمال..

لا رأسمال للحب ولا ثمن له، يعطى مجاناً ويؤخذ مجاناً.. لا أحد يعرف لماذا يحبّ، أو لماذا يكره؟.. وحين يخضع الحب لمنطق الحسابات والنقاط الإيجابية والسلبية، لا يعود حبّاً.

***

   منذ أيام قرأت في الصحف عن شاب وفتاة هنديين، رميا بنفسيهما أمام القطار في ولاية «هريانا» الهندية، لانتمائهما إلى طائفتين مختلفتين، ولمعارضة الأهل من الطرفين، لأي ارتباط يجمع بينهما، فقررا أن يجمعهما الموت بعد أن فرقتهما التقاليد.. قرأت الخبر وعادت إلى ذهني قصة روميو وجولييت، وهي تتكرر في كل مكان وزمان، على الرغم من المادية الطاغية لعصرنا، واختفاء الرومانسية وراء ضباب المصالح، تأتي بين الحين والآخر أخبار حزينة، وموجعة كما لو كانت قنديلاً عتيقاً يضيء فجأة وسط غابة من الحديد، ليقول ضوؤه الخافت  والدافئ إن الحب هنا، في مكان ما... ولا بدّ لمن كان صادقاً في التفتيش عنه أن يجده ويعيش من أجله لا أن يموت!