شغلتني جارتي - من نافذتي
صاحبة إرادة لا تُقهر.
شغلتني لأكثر من ساعة وأنا أراقبها حتّى شعرت بنفسي وكأنني تقمّصت وجه جارتنا التي لا تغادر شبّاكها مشرفة على تحركات كلّ سكان الحي.
شغلني عملها بحرص الحارس واهتمام الرقيب.
هي السبّب في مراقبتي لها. كنت هانئة أستمتع بكوب عصير الـ"بوصفير" المنزليّ الصنع في حديقة البيت، فإذا بها تخزني في قدمي.
لم أكن أعرف أنّ قدمي تعيق طريقها. وهي على عجلة من أمرها ولا وقت لتضيّعه بل تسعى إلى هدف واضح تمامًا والمهمّة بانتظار إكمالها.
قرأت الكثير عنها منذ أيّام المدرسة فهي النشيطة الدؤوب، والساعية وراء رزقها.
هي الحكيمة العاقلة التي تجيد فنّ تخزين الطعام الأبيض لليوم الأسود.
مثال في الانضباط والطاعة والعمل ضمن المجموعة. الانفصال عن المجموعة يوازي موتها أو ضياعها.
لطالما كان لدي الفضول لأعرف كيف تتفاهم مع بعضها بعضًا؟ وكيف تتوّزع المهمّات والأدوار؟ وكيف لا تضلّ طريقها؟
أسئلة كثيرة لم أجد جوابًا عليها، وربما تقاعست عن البحث مع كثرة المشاغل برغم استعداد "مستر غوغل" للردّ على أيّ استفسار مهما كان نوعه، حتى ظُنّ أنه المرجع المعصوم عن كلّ خطأ أو سهو.
مضت الدقائق سَلِسلةً وأنا أتابع تلك النملة المجتهدة في رحلة تحضيرها لموسم الشتاء. تعاطفت معها، وفكرت كم هي الطبيعة قاسية وغير منصفة أحيانًا. هذه العاملة الكليّة الولاء والوفاء تدوسها الأقدام ولا تعيرها أيّ اهتمام، في حين ترتفع الرؤوس وتتّسع العيون إعجابًا بالصقور والعقبان وهي تقتات على الجيَف التي تصطادها بقية الحيوانات!
دخلتُ المنزل، غرفتُ حفنة من السكر رششتُها في طريق الخط الأسود المتوازن... وتمنيتُ لها شتاء حلوًا عارمًا بالأطايب.