طريق إلى مدينة العطر - من نافذتي

ندى عيد قرأها 667

طريق إلى مدينة العطر - من نافذتي 

تزّين النهار بوشاح خيوط ذهبيّة المتوهّجة، حمل معه نسيم الصباح في حقيبة ظهر علَّقها في كتفه، ومشى بهدوء مستمتعًا باللحظات.

لم يكن الوقت على عجلة من أمره.

       كان يتلذّذ بقضم الدقائق كما كعكة لوز وسكر خرجت لتوّها من تحت يد واحدة من جدّات الزمن القديم. الجدّات اللواتي تنضح أيديهنّ خيرًا وبركةً ومعرفة في كلّ أمور الحياة من أكثرها بساطة، الى تبسيط أكثرها تعقيدًا.

اختار الوقت الطرفَ الترابيّ ليسير عليه.

لم يتذمّر أبدًا من ضيق الطريق، ولا تعرّجها، أو صعودها المفاجئ وهبوطها اللاحق به بانكسارٍ كلّي ومن دون  اعتراض.

في الطرف الترابيّ، مدّت أغصان الأشجار رؤوسها بفضول يكاد يقتلها، تسترق النظر، تمعّنه، تتفحّص الأشياء، تراقبها، وتسعى بكلّ جوارحها لمعرفة هوّية القادم الواثق من نفسه، والبادية عليه علامات غرور، تدعمها ملامح جاذبية قاتلة لم يسبق أن شوهدت في تلك النواحي.

تابع الوقت طريقه بمرحٍ وزهوٍ مطلقًا لعينيه حرّية السفر ومعانقة الأودية والتلال وصولاً الى أعلى القمم شموخًا، تاركاً ليديه روعة اكتشاف ملمس الجمال الكامن في كلّ ما تقع عليه تلك اليدين المتفلتتين من ضوابط الممنوعات المفروضة على كلّ ما هو موجود، باستثنائه هو.

هو الوقت المتفوّق على كلّ سلطة.. ولا سلطة تقوى عليه.

اقترب من مشارف المدينة. وقف يتأمّلها. أخرج نسيمَ الصباح من حقيبته. كَمَنْ يفتح باب قفصٍ لعصفور، منح الهواء حرّيته: ركض، طار، حلّق، وراح يرسم فوق المدينة لوحات لا لون لها، مستغلاً خصور النرجس والياسمين، عابثًا بأوراق الورد المصفوفة فوق بعضها البعض طبقاتٍ طبقات... أما زهر الليمون فحوّله إلى «مرجوحة» أيقظت سكان المدينة على وقع عطرها الذي فضح السرّ. عَلِمَ الجميع بأن الوقت خجل من دخول المدينة، ظلّ واقفًا على مشارفها يحرسها ويحلم بطريق إلى مدينة العطر.