باب المدينة - من نافذتي
بين المرأة والمدينة حكايات وتشابيه عميقة الجذور.
لكلّ مدينة مناخ، جوّ، لمسة خاصة لا يدركها إلاّ من فتحت المدينةُ له ذراعيها، أي احتضنته، ومنحته دفء صدرها وحُنُوّ مشاعرها، مقربةً له الشعور بالأمان الذي تقدمه المرأة بطبيعتها: المرأة الأم، والمرأة الحبيبة، والمرأة الصديقة.
مناخ المدينة لا علاقة له بدرجات الحرارة سواء ارتفعت او انخفضت.
المناخ هو الشعور الذي يتوّلد عند الزائر الغريب.
الزائر ثاقب النظرة دومًا. يرى ما لا يراه المقيم، وتُخفى عنه أمور صاغتها الأقوال الشعبية بعبارة: "الغريب أعمى". والأعمى يحتاج إلى مَنْ يُمسك بيده في طرقات لا يعرفها.
المرأة هي اليد الأجمل والأرقّ لتمسك بيد الرجل وتدخله باب المدينة المغلق في وجه الغرباء.
تغيرت هندسة المدن، واستُغني عن الأبواب المحصّنة والأسوار، فلا حراس ولا رقباء وما من إقفال للأبواب في كلّ مساء.... الهندسة تغيّرت والأبواب الماديّة زالت، لكنّها في الواقع ظلّت موجودة ومقفلة في وجه من لا يجد الباب المناسب الذي يخوّله دخول المدينة.
المرأة تشبه المدينة.
هناك نساء مدن مقفلة في وجه البعض ومفتوحة في وجه البعض الآخر.
وحين يختار الرجل المرأة لتكون بابه إلى المدينة، يعبر إلى القلب، قلب المدينة، فيتعرّف على خصوصيّاتها، كما إلى خصائصها بدقّة وعن قُرب. وهناك رجال لهم في كلّ مدينة امرأة، تفتح لهم باب المعرفة الحقيقيّة والعميقة، لحضارة البلد وليس فقط المدينة.
في السيرة الذاتيّة للفيلسوف الفرنسيّ جان بول سارتر، نقرأ أنّه جعل المرأة بابًا لدخول المدينة، لا بل البلاد ولغتها وحضارتها. هذه السيرة مفعمة بالتأثير النسائيّ البارز وبحضور نساء تختصر كلّ واحدة منهن مرحلة، وحضارة وانفتاحًا على عالم جديد، منهن مثلًا: دولوريس فانيتي التي عرّفته على الولايات المتحدة الأميركيّة. لينا زونينا عرفته على الاتّحاد السوفياتي. كريستينا أدخلته إلى البرازيل. توميكو ازابوكي أدخلته إلى اليابان، هيلين لاسيوتاكي فتحت أمامه أبواب الحضارة اليونانيّة... وسارتر ليس وحيدًا في ذلك.
يحبّ الرجل اختيار امرأة لتكون بابه إلى مدينة ما، ومنهم من يختارها لتكون بابًا إلى المعرفة، ومنهم من يخطئ في الاختيار كما في الأبواب..
حذارِ من النساء ومن الأبواب المغلقة على المفاجآت!