من فلورنسا إلى الثقب الأسود
نبضات قلب تتسارع، دوار، وعدم قدرة على الوقوف أو متابعة المشي... وكأن الطاقة والحيوية تسحبان من الجسم... هذه هي «متلازمة ستاندال» أو «متلازمة فلورنسا».
«ستاندال» هو الاسم المستعار الذي اختاره ماري ـ هنري بايل لكتبه التي نالت شهرة واسعة، وجعلت منه واحداً من كبار الكتاب المتربّعين على عرش الأدب الفرنسي، جنباً إلى جنب مع: زولا، وهوغو، وبلزاك، وفلوبير، وروسو، وشاتوبريان وغيرهم الكثير.
«متلازمة ستاندال» تسمية «لمرض» كان الكاتب أول من وصفه بدقة في العام 1817، يوم كان يزور فلورنسا، مدينة الفنون، وفيها الأعمال الفنية التي تسلب الألباب بحق... و«ستاندال» كان مغرماً بالأعمال الفنية وبإيطاليا على حدّ سواء. وجد ضالته في فلورنسا، حيث شعر بهذه العوارض وكتب عنها، ولكن، كان على هذا «المرض» أن ينتظر طويلاً ليعود مرة جديدة إلى التداول، على يد طبيبة إيطالية (غرازييلا ماغيريني)، لاحظت تكرار هذه العوارض لدى فئة كبيرة من سيّاح المدينة، فأجرت أبحاثها، ووجدت أن «ستاندال» خير من وصفها، ويعود السبب، بحسب الطبيبة، إلى الكمّ الكبير من الأعمال الفنية الفائقة الجمال التي يشاهدها السيّاح، فتثير فيهم انفعالات ومشاعر قوية جداً، يترجمها الجسم «بضربات متسارعة في القلب ودوار في الرأس»... وليس من السهل أن يزور السائح خمسين متحفاً ويخرج إلى الشارع الذي يشكل (هو أيضاً) متحفًا.
... ولاحظت الطبيبة أن الأشخاص الحسّاسين هم الأكثر عرضة لهذا المرض... إنه تأثير الجمال والإتقان وقدرة الموهبة البشرية على مقاربة الحقائق المطلقة.
جميل هذا «المرض»، وجميل أن نتعرّض لعوارضه، سواء اتفقوا على تسميتها «عوارض ستاندال» أو «عوارض السفر» أو «عوارض فلورنسا» أو «متلازمة ستاندال»، لكن المثير للعجب أن يطالعنا الخبراء اليوم بمرض جديد اسمه «مرض التوتّر المعلوماتي» وعوارضه قريبة من «عوارض ستاندال»، وجميعنا معرضون له من دون السفر والانتقال من مكان الى آخر، لأنه ناتج عن استعمال الحواسيب والأجهزة الإلكترونية التي صارت جزءاً أساسياً من حياتنا اليومية.
تؤكد دراسة أن الأسباب المباشرة لـ «المرض الجديد» هي بطء الأجهزة، وإصابتها بالفيروسات، وعدم استجابتها للأوامر والانتظار الطويل، وتدخّل التقنيين... جميع هذه العوامل تسبب «التوتّر المعلوماتي».
بين فلورنسا والحاسوب، أُفضّل «ستاندال» على لوحة المفاتيح، وحبّذا لو كان سبب المرض متاحف مدينة فلورنسا وشوارعها، بدل أن يكون فيروسًا داخل الحاسوب، أو وقوع الهاتف الخلوي، ومسح المعلومات منه في غفلة من التكنولوجيا التي ترمي بنا، فجأة، في ثقب أسود لا نقوى على العودة منه.