سرُّ الكتابة

وليد معماري قرأها 6
  

منيقرأ كتاب رسول حمزاتوف: "داغستان بلدي".. يفاجأ حين رؤية كاتبه لسببين.. الأول أن هذا الكتاب ليس ديوان شعر.. ولا هو رواية.. ولا مجموعة حكايات، ولا توثيق لحكمقديمة، ولا تاريخ شعب، ولا ملحمة.. ببساطة، هو كل هذا..‏

ولرسول حمزاتوف جسماً ووجهاً، يستحيل حين تراه إلا أن تقول: هذاالرجل يشبه فلاناً من قريتنا.. وأن أبطاله يشبهون الناس البسطاء المليئين بالحكمةفي قرانا.. ويبرر حمزاتوف الأمر بأن داغستان تأثرت عميقاً بالثقافة العربية... لكنرأيي أن الأدب العظيم هو ذلك الذي يمتح من ميزتين: الخصوصية المحلية.. والإنسانيةالشمولية..‏

أبرزما يميز أعمال حمزاتوف هو البساطة المفهومة من شريحة واسعة من الناس في العالم (البساطة، وليس التبسيط).. وهو يوظف الأمثال الشعبية، ومأثور القول التي اعتاد الداغستانيون نقشها على سقوف بيوتهم الحجرية المقببة، وعلى شواهد القبور، وعلىمقابض الخناجر والسيوف، وعل سروج الخيل.. فهو مرتبط بوطنه ارتباطاً كلياً.. مرتبطبتراث شعبه، وحكاياته وأغانيه، وأساطيره، دون أن يبعده كل هذا عن إيقاع العصر،وتوهجه.‏

قالرسول حمزاتوف في أمسية جمعتنا معه هنا في دمشق: "متى فقد الإنسان قبعته فإنالبَرَدَ سيسقط حتماً فوق رأسه"!.. وقال أيضاً: "لكل شاعر وطنان... وطن بالوراثة – أي مسقط رأسه- والوطن الآخر يمر عبر العالم كله"...‏

وعنتجربته الشعرية، تحدث عن طفولته، ثم أضاف: "عندي كتابان ليس لهما بداية ولانهاية... كتاب عن بلدي وعن العالم من حولي... وكتاب عن المرأة... والرجل في داغستانيحق له أن يقاتل في إحدى حالتين.. إما دفاعاً عن الوطن.. أو في سبيل امرأة"!...‏

ويقولعن نفسه: "أنا شاعر آفاري.. لكنني أشعر بمسؤوليتي كمواطن، لا عن آفارستان، ولا عنداغستان كلها، ولا عن بلادي كلها.. بل عن كوكبنا بمجمله"... وما كان يأسرنا في أحاديثه أنه كان يتكلم ببساطة جبلي عريق، لكنه يتكلم بحسم عن الشعر القديم،والجديد، والصراع بينهما... وهو لا يحب تسمية الأمر على أنه صراع.. بل يراهتجديداً.. وحسب رأيه، على الشاعر ألا يكون رافضاً للقديم، بل متمِّماً له.. ولكن عليهأن يكتشف دربه إلى المستقبل.. ويقول: إذا شبهنا الكاتب بالطبيب، فعليه أن يعرف كيفيستخدم الوسائل الشعبية الناجعة، مع آخر منجزات العلم...‏

ويضيف: إذا شبهنا الكاتب بالمسافر، فعليه أن يحل ضيفاً على شعبآخر.. وأن يحمل في قلبه أغاني وطنه.. ولكن عليه أن يجد في قلبه مكاناً للأغنياتالتي سيغنونها له... يودعه شعب، ويستقبله شعب.. ولكل شعب أغانيه...‏

ويرويرسول حمزاتوف كيف كانت تربيته البيتية: "عندما كنت طالباً في موسكو، أرسل لي والدينقوداً لأشتري معطفاً شتوياً.. وأنفقت النقود، ولم أشترِ المعطف... وعندما عدت فيعطلة الشتاء، كنت أرتدي ما ارتديته حين غادرت داغستان في أخريات الصيف..‏

وعنماوصلت الدار، حاولت أن أعتذر عما فعلت مخترعاً أساطير، بعضها أكثر غباء وسخفاً منبعض.. وعندما أضاعتني قصصي ضياعاً تاماً، قاطعني أبي:‏

- قفيا رسول.. أريد أن أسألك سؤالين..‏

- اسألني..‏

- هلاشتريت معطفاً؟..‏

- لا..‏

-هلأنفقت النقود؟..‏

- نعم..‏

- إذاً فقد اتضح كل شيء.. لماذا كل هذه الأقاويل؟.. ولماذا تخترع كل هذه المقدماتالطويلة، كل هذا الطول.. وأنت تكفيك كلمتين لإيضاح ما هو مهم..‏

وأعلّق باختصار: هذا هو سر الكتابة..‏