رأي في الأدب والنَّقد

اسكندر نعمة قرأها 9
  

تتزاحم الأفكار في خاطري، أفكار قديمة وحديثة. كل فكرة تشق طريقها عبر الزحام في محاولة لأن تقف على رأس القائمة. بعض هذه الأفكار قد يكون مجرد تثاؤبات قديمة لا ترتبط بحاضر ما، وبعضها قد أصبح صدئاً من جرّاء مرور الزمن، وبعضها ما يزال فتياً يقف على قدمين ثابتتين. وتغتصب ذاكرتي فكرة قديمة حديثة ملحة تقول: (كل إنسان لا بد أن يختصر حياته في عبارة ما. وأنه لا يوجد شيء ما عصيٌّ على التغيير، إما لأن الناس يرفضونه، أو لأن نقيضه يفرض على الناس ذلك.

ثمة شيء ما مؤسف حقاً. ذلك أن وجدان الإنسان، وأقصد به الإنسان الأديب، مبدعاً كان أم ناقداً، مسكون دوماً بتضخم الذات والهواجس المنتمية إلى الرواسب والذكريات والعلاقات الفردية. إن ذلك الوجدان متشنج أبداً على الفواصل التي يفرغها الخوف والأنا، شيء كبير من شيخوخة العقل وهرم الأحكام.

إن معضلة الإنسان الأديب، مبدعاً كان أم ناقداً أم قارئاً، هي ذلك الشرخ المليء بالوجع في حياته، وتلك المعاناة والملابسات اليومية، والرغبة المنتصبة أبداً إلى إعلاء الشأن الذاتي وإخفاء كل صوت يناقض الوصول إلى تحقيق تلك الشهوة الجامحة.

هذا الإنسان العربي الذي يحيا في هذا الإطار الجغرافي في الشرق المتأرجح. معضلته الأساس، أنه يختفي في طيات هزائم نفسية متتالية، لعلها في جانب كبير منها انعكاس للهزائم العسكرية والسياسية والجغرافية المرة.

ويأتي النتاج الأدبي، إبداعاً ونقداً، حصيلة فجة لتلك الإرهاصات العامة التي تتدثر عباءة الهزائم المتعددة.

ـ      البحث الاجتماعي والفلسفي، تيارات متصادمة يلفها الغموض.

ـ      الشعر، رسم بالأصابع على زجاج غبشي يكسوه الندى، تمحوه الثواني الأولى من شروق الشمس أو هبوب الهواء.

ـ      الغصة في أكثر حالاتها، اجترار يعتمد المحاكاة، ويفتقر إلى التجربة الحياتية الأصيلة المتجذرة في تربة الواقع والحياة.

ـ      النقد، اجتهادات لاهثة وأحكام جائرة تعتمد المبادرة الفردية، وتفتقر إلى أولى مفاهيم المنهج الواضح المتسلح بضرورة الإيمان بحرية الكاتب والتعددية الفكرية والأسلوبية.

كلهم مهزومون، والغيظ من هزيمتهم له طعم مرّ لزج آسن، فهم بهزيمتهم يعاقبون أنفسهم وغيرهم على حد سواء.

كل كاتب، مبدعاً كان أم ناقداً، يدور في فلك الأنا. يتسلح بسيف الذاتية المثلوم، يتقوقع في زوايا الخوف. ودون أن يدري ينسلخ عن داخله الذي يعج بالحقيقة والأصالة العفوية، فلا يجد المتسع والجرأة للتنسيق والخلوِّ الفني الأصيل، وبذلك يساهم في خلق المشاهد التي تشتم عقل القارئ، وتبلبل ذاك الذي خطا خطواته الأولى على طريق الإبداع. إن من ينسلخ عن داخله ويجتث جذوره الضاربة في أعماق الواقع الحياتي، يكون قد حكم على نفسه بالذبول، ولن يستطيع أن يكون شيئاً آخر على الإطلاق.

سألت صديقاً لي ذات يوم قريب: ماذا تقرأ هذه الأيام؟

أجابني وضحكة ساخرة تملأ فمه: أقرأ كتاباً قديماً مترجماً للمرة الخامسة.

سألته وأنا أعرف الحقيقة المرة: ولماذا؟!

أجابني: لأنني أبحث عن جديد بين الحروف والأفكار والأخيلة، فلا أجد شيئاً.

طويت الحديث مع صاحبي ولم أجرؤ كثيراً على اتهامه بالمغالاة، وفضَّلت الصَّمت على الإجابة، صحيح ما قاله صاحبي إلى حد بعيد. فالحروف مكرورة، والرسوم تحتوي كل شيء عدا الفن والإيحاء، وكأنما كتابنا ومبدعونا قد رسبوا في امتحانات الإملاء والرسم والهندسة الفراغية المتخيلة. ونقَّادنا مثلهم قد رسبوا في المواد عينها. ولكنهم قد رسبوا أيضاً فيما هو أكبر، فلقد قدَّموا أوراقهم بيضاً في امتحان الموضوعية، فلم يخطُّوا عليها إلا بضع كلمات قليلة مبعثرة، ذلك لأن وشائج الذات والقيم المنبتَّة كانت محكمة الأطواق، فعزّ عليهم أن يمنحوا غيرهم ولو هامشاً ضيِّقاً من حرية الفكر والإبداع والعطاء.

لأجل ذلك، فنحن كلنا راسفون في أغلال الحزن الفكري، ونواجه أخطار الجلطة الأدبية، فننهزم ونحتمي بالكلمات القليلة المعلّلة.


قال مكسيم غوركي في بعض خواطره: (إن ما نكتب عنه دون معرفة عميقة لهو تجسيد للأسف الذي يخلّف ادّعاء وتشويهاً). وهذا يعني أن دور الكاتب الأساس هو المعرفة الحقة الواقعية لأفكاره التي تتلاحم تلاحماً عضوياً وفنياً مع تعامله اليومي في زحمة الحياة المنظورة. وأن دور الناقد هو الإيمان بحرية الكاتب قبل كل شيء، والتعالي على النظرات الضيقة الخاصة، وعدم طرح نفسه كأحد (الشطّار) في الساحة الأدبية والفكرية.

يجب علينا أن نتذكر، أن الإبداع والنقد كليهما أدب رفيع. فالإبداع يمتح من الحياة، والنقد يمتح من الأدب، وبين طرفي المعادلة علاقة جدلية عميقة تتغذى بنسغ الحرية الإبداعية والمعرفة العميقة والموضوعية المعرفية، وبذلك ننجح من جديد في مواد الرسم والإملاء والهندسة الفراغية، ونتجاوز مرحلة الطفولة والقراءة الصوتية.

النور