في إشكالية الفكر العربي
في إشكالية الفكر العربي
اسكندر نعمة
لا بد من الاعتراف بادئ ذي بدء. أن دراسة مظاهر الأزمة في الفكر العربي، موضوع تنوء به دورية عربية، شهرية كانت أم أسبوعية أم يومية..
ذلك أن هذا الموضوع الخطير يقتضي التوسع، ويحتاج إلى الكثير من المرجعية والتحليل والتبويب والبرهان، الأمر الذي يقودنا إلى القناعة بأن عملاً كهذا لا تتسع له إلا صفحات كتاب مستقل. ولذا فإنني في هذه المقالة سأكتفي بعرض بعض ملامح هذه الإشكالية الأزمة، منطلقاً من محاولة ربط أزمة الفكر العربي عموماً في مواجهة مستجدات العصر، بروح منفتحة وموضوعية إيجابية. إذ إن الفكر العربي بشتى وجوهه وحالاته، يبدو لكل دارس ومتتبِّع أنه يرتدي ثوب الجمود، فكأنه ثابت في مواقعه، يعيش تحت مظلة أزمة قديمة وعميقة.
والدليل على ذلك، أن هذا الفكر العربي المعاصر لايزال يعاني من التحديات التي كانت تطرحها تساؤلات قديمة متحدرة إلينا من أيام عصر النهضة قبل أكثر من قرن من الزمان، إن هذه المراوحة النظرية أمام المشكلات التي طرحها عصر النهضة تمثل أحد أهم مظاهر الأزمة الفكرية المعاصرة. فالفكر العربي المعاصر لا يزال يتخذ من مفاهيم عصر النهضة وآرائه وطروحاته أداة مرجعية له في تكوين الموقف المعرفي والثقافي والإبداعي الراهن. ولا يلغي ذلك أبداً هذا الركام المعرفي الذي نفخر به الآن ونعتز، لأن هذا ما هو إلا نتاج المثاقفة والجسور التي بنيت لنا مع الثقافة الغربية المعاصرة من جهة، ومع الموروث الثقافي العربي المتألق في العصور الوسطى من جهة أخرى، والمؤسف أن هذا التراكم المعرفي لم يستطع أن يحدث انقلاباً في البنى التحتية للفكر العربي المعاصر، إنما مس بشكل عادي جداً البنى الفوقية فحسب. إذ استُغل لتوظيفه في إعادة إحياء الإشكالات القديمة والوقوف أمام التحديات التي طرحها عصر النهضة بكل معطياته، ولعل مردّ ذلك، أن القضايا والمسائل الكبرى التي طرحها عصر النهضة على مختلف الصعد الفكرية والسياسية والاقتصادية والأيديولوجية ظلت في أكثرها معلقة ولم تتح لها إمكانية التحقق على الصعيد العملي لا في حينها ولا فيما بعد. وهكذا استمرت عبر قرن ونيّف تحاول التعبير عن ذاتها وتحقيق أهدافها، فتلقَّفها ـ وبشكل غير إرادي ومبرمج ـ رجال الفكر العربي المعاصر، وراحوا عبر محاولات مخفقة مريرة، يأملون تحقيق المقولات والمهمات النهضوية ولكن دون جدوى، على الرغم من أن هذه المحاولات المعاصرة اتخذت طرقاً عدة قومية وأيديولوجية وسياسية وثورية. وكل ما استطاعته تلك المحاولات أن تحدث تعديلاً طفيفاً، اقتضته ظروف التطور الزمني عبر المثاقفة والعودة إلى الموروث. إلا أن مطالب الأصالة النهضوية ما زالت قائمة بشكل ملحّ ومهيمن، وبسبب من إخفاق السياسة في راهن هويتها القومية والسياسية والحضارية، فقد فرض على الفكر المعاصر أن يعيد ـ وهو لا يدري ـ طرح مقولات المشروعات النهضوية الكبيرة.
إن هذا الواقع الذي اقتضى منا أن يظلّ فكرنا المعاصر يدور في فلك الإشكالات النهضوية يطرح طرفاً آخر للأزمة والإشكالية يتمثل في الحرج والخجل الدائم من أن يكون نشاط الفكر العربي المعاصر محدّداً أبداً بإعادة إنتاج إشكالات وطروح قديمة لا غير، وهذا الحرج يدفع المفكر والدارس أيضاً إلى محاولة الخروج من الشرنقة الفكرية القديمة ليضعه أمام إشكالية أخرى أكثر مرارة، تتمثل في رغبة المفكر في أن يعيد صياغة القديم بأسلوب وإطار جديدين يتلمسان كل عوامل المعرفة المعاصرة بوجوهها العميقة والشاملة في محاولة مخفقة أيضاً لقطع الوشائج مع الأطروحات القديمة وبناء نظام معرفي جديد ينبع من معطيات المرحلة والعصر بعيداً عن الموروث المعرفي للحقبة النهضوية، كي لا يصبح كل ما لدينا معاداً مكرراً.
إن هذه الأزمة التي يطرحها الحرج من إعادة البناء النهضوي إلى أفق معرفي معاصر يتسلّح بهوية العصر ويطرح مشكلاته، تحمل في طياتها أزمة أخرى أو تساؤلاً آخر، يتعلق بكيفية بناء المعرفة الجديدة نظرياً وتطبيقياً، وما هي الأدوات والوسائل والمفاهيم التي تنتج بها هذه المعرفة؟ إن هذا التساؤل يجعل المفكر مدعواً إلى تحقيق جملة من المواقف والإجراءات والصفات اللائقة التي تمكّنه من إجراء التغيير في بنية المستوى المعرفي والثقافي والعقلاني لديه. عليه أن يحرر نفسه جذرياً من سلطة النص وقداسته كي يكون موضوعياً. وعليه أن يعتمد بشكل مطلق كل مفاهيم العقلانية والواقعية والتاريخية. أي عليه أن يحقق ثورة علمية على النزعات الذاتية والواقع المحنّط والقوالب الجاهزة بسبب قداسة وهيبة النص والماضي والقديم. وبذلك يخلع رداء التقليد وإعادة بناء الموروث، ويرتدي رداء النسبية والموضوعية وروح النقد المعاصر ذاتياً وأيديولوجياً.
وما نشهده اليوم على الساحة الفكرية والثقافية من صراع مر بين مراكز القوى الفكرية الفكرية المتنافرة التي تتخذ عنوانات عديدة: الأصالة والمعاصرة ـ الهوية والمعاصرة ـ الدين والعلمانية ـ وكل مفرزات هذه المقولات وتشعباتها، إنما تعود في حقيقة جوهرها إلى مفاهيم الثنائية الفكرية لطروح عصر النهضة، وهي من جانب آخر ترجمة دقيقة حرفية لأمراض المعرفة وعاهاتها في الفكر العربي المعاصر المتمثلة كما سبق في اللاتاريخية ـ اللاواقعية ـ النصية وقداستها ـ تورم الذات ـ الادعاء المفرط ـ العلاقة المهشمة بالمرجعية الفكرية ـ النزعة الإيمانية السلفية.
كل هذه العاهات تؤدي إلى تكريس الأزمة وتعميق توريط الفكر العربي المعاصر في متاهات النزعة الفردية الأنانية الشرسة التي لا تتورع عن مصادرة رأي الآخرين وتسفيه أفكارهم وإنكار حقهم في الاعتراض وإبداء الرأي الآخر، وفي هذا أقصى درجات انحطاط الفكر والممارسة.
إن الوصول إلى هذا المنزلق الخطير والبشع جداً في العلاقات القائمة في ساحة المشهد الفكري والثقافي العربي، من شأنه أن يشلّ طاقات الإبداع والتفكير، كما أنه ساهم وما يزال يساهم بشكل مباشر في تحويل المفكرين والمثقفين إلى فئات تقتتل فيما بينها وتدمر، بدل أن تبني وتتحرّى وجه الحقيقة. الأمر الذي يعمّق واقع الإخفاق التاريخي المروّع الذي يتحول الفكر في ظله إلى عملية رهان سخيفة وبشعة، هدفها إما تعظيم الذات، أو تبرير السقوط في الأخطاء، مما يؤدي إلى رفع راية البديل الفكري والأيديولوجي والثقافي الأوحد الذي لا بديل سواه، إذ يتعاظم فيه السياسي ويختفي الفكري والثقافي إلى الأبد.
إن واقع الإخفاق هذا، يغذي الشعور الأناني المتحجّر الذي يساهم في خلق (مافيا فكرية) و(ميليشيات ثقافية) تؤدي أيضاً إلى هشاشة معرفية عربية، و(ملاشاة) للرصيد النظري، وخلق حالة من الجمود المرضي الفكري.
كل هذه الظواهر، وتلك الحالات المرضية، والإشكالات المعقدة التي تنخر جسد الفكر والمفكرين العرب، تقتضي منهم اجتياز مراحل صعبة من النضال الطويل، كي يتاح لهم تجميع مكتسبات معرفية جديدة خلاقة، من شأنها إعادة الحياة والدم إلى الجسد الذي يكاد أن يختنق، والتسلح بإمكانات جديدة لبناء المشهد الثقافي والمعرفي بناء صحيحاً، يحرره من رواسب التقليد والأنا والتسطّح وكل العناصر التي تزخر بها الإشكالات المعرفية الراهنة.
ترى.. هل يملك الفكر العربي في عصر التحولات الثقافية الكبرى وعصر التحديات الحضارية، خياراً آخر؟