إفريقيا والأدب والمعاناة المرة
إفريقيا والأدب والمعاناة المرة
اسكندر نعمة
إن رؤية الفنان عامة للمجتمع والحياة الثقافية، أشبه بشجرة عملاقة، جذورها تضرب في أعماق الماضي، وأغصانها ترود آفاق المستقبل، هذه المقولة الفنية الشاملة، تنطبق بحق على الكاتبة الإفريقية الذائعة الصيت (آما آتا أيدوو) التي تعد في سلم النقد والتقويم، واحدة من أشهر أدباء غانا بل إفريقيا بشكل عام.
وعندما نقول كاتبة إفريقية، فهذا يعني أننا أمام إشكالية واضحة المعالم فنياً واجتماعياً وذاتياً، ذلك أن عالم الرجل ومفهومه وأدواته الشخصية والاجتماعية ما تزال هي المسيطر الوحيد في كل مجالات الحياة الإفريقية، إذ إنه من حيث المبدأ، ومن حيث موضوعية النظرة إلى القارة السوداء، بتخلّفها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي، ليس من السهل أبداً أن يكون المرء كاتباً إفريقياً، فكيف إذا كانت كاتبة، إن المتاعب على مختلف الصعد ستكون جمة متداخلة، لأن كل الأضواء النقدية والتقويمية موجهة إلى الرجل، بينما المرأة لا تطمح إلى أكثر من أن تكون (كومبارس) في عملية الأدب والفن والحياة الثقافية، ذلك على وجه الدقة ما عانته الكاتبة الإفريقية (آما آنا أيدوو)، وتحدّته بقوة وعناد وإصرار. الأمر الذي ترك بلا شك ظلالاً قاتمة على حياتها الشخصية والأدبية.
كانت ابنة خمسة عشر ربيعاً عندما حدّدت طريقها، قائلة لمعلمتها: (أريد أن أكون كاتبة)، وعندما سُئلت، لماذا؟ أجابت: (لأن الكتابة تصعيد للروح، وخلق للذات، وتصفية للشوائب، شأنها في ذلك شأن العزف المنفرد، يرفع الإنسان من متاهات الأنا إلى عالم الصفوة والاكتمال).
في عام 1965، عرفت أولى أعمالها الأدبية النور من خلال مسرحية بعنوان (ورطة شبح). كانت باكورة أعمالها التي لفتت إليها أنظار الكتّاب والنقاد والقرّاء في إفريقيا، إلا أنها كانت التفاتة مشوبة بالحذر والدهشة، والاستخفاف أحياناً، ولكن بحلول عام 1970 استطاعت (آما آتا أيدوو) تثبيت قدميها في ساحة الأدب، إذ صدر لها مسرحية أخرى بعنوان (آنووا)، ومجموعة قصصية بعنوان (لا توجد حلاوة هنا)، فاستطاعت الكاتبة الإفريقية الناشئة، أن تلفت إليها أنظار السابحين في خضم المشهد الأدبي سواء في غانا أم في إفريقيا كلها، عبر معاناة دامعة، وتحديات ما كان لها أن تثمر وتنتصر، لو لم يكن وراءَها شخصية فذة، أبت أن ترمي عصا الاستسلام.
استمدت الكاتبة الغانية من نجاحها هذا دافعاً قوياً جعل أغصانها ترود آفاق المستقبل بثقة وجدارة، فكانت لها في أوائل الثمانينيات رواية بعنوان (شقيقتنا كليجوي) هي روايتها الأولى، وفي منتصف الثمانينيات، أصدرت أول مجموعة شعرية بعنوان (شخص ما يتحدث لوقت ما)، وعلى إثر ذلك، وبعد أن أصبح اسم الكاتبة الإفريقية راسخاً في لوحة المشهد الأدبي والثقافي، وبعد أن لم يعد بالإمكان تجاهلها، وقد استطاعت تحدّي عالم الاحتكار الأدبي والثقافي، عُيّنت (آما آتا آيدوو) وزيرة للتربية في دولة غانا، الأمر الذي فجّر لديها منابع الإشكالية من جديد، وبرز الصراع عنيفاً بين شخصية الكاتبة ومسؤولية الوزيرة، لم تستطع أن تستمر في المنصب طويلاً، فقط ثمانية عشر شهراً، كانت دهراً طويلاً من الصراع النفسي والثقافي، كانت المواجهة حادة، والمعركة شرسة، ففي فترة السنة والنصف التي قضتها متربعة على كرسي الوزارة، لم تتمكن من كتابة حرف واحد، كان كل جهدها موجّهاً من أجل العمل والتنظيم والإدارة والإشراف فاشتدّ ظمؤها للإبداع، وشعرت بعطش قاتل كادت تجف له عروقها، وراحت المقارنة اللاسعة تلهب جسدها، إذ كيف يمكن للإنسان أن يكون مبدعاً منتجاً، وفي الوقت نفسه يمتلك الطاقة اللازمة للتعامل مع قضايا سياسية وإدارية ساخنة دون الوقوع في الخطأ الفادح؟! لذا وفي نهاية المطاف، انهزمت لديها شخصية الوزيرة لتنتصر شخصية الكاتبة المبدعة وروحانيتها المتألقة، فآثرت ترك العمل الحكومي غير آسفة، وغادرت غانا لتعيش فترة من الزمن في زيمبابوي، متفرغة للعمل الأدبي والإبداع.
طبعاً لم تكن هي أول من تعرّض لمثل هذه التجربة القاسية المرة، فقد مرّ بمثل هذه التجربة: ليوبولد سنغور وأوغستو نيتو، وكلهم من عمالقة الإبداع في القارة السوداء.
إلا أن كوابح الحياة، ومعوّقات الإبداع التي أحاطت بالكاتبة الوزيرة، لم تقتصر فقط على إشكالية المقارنة غير المتكافئة بين عالمَيْ الأنوثة والذكورة الثقافيتين. بل كانت هناك متاعب أخرى، ذلك أن معظم كتاب إفريقيا لا يكتبون لشعوبهم، أو أن شعوبهم لا تفهمهم كما ينبغي، فالتاريخ الذي فرض عتمته على القارة الإفريقية، جعل من المستحيل على أبناء هذه القارة أن يفهموا كُتَّابهم، ومن الصعب جداً من جهة أخرى أن يكون الفنان المبدع محبوباً من أبناء مجتمعه، وذلك أن الكتاب إنما يكتبون بالإنكليزية والفرنسية. ومن المعروف أن نحو 80% من سكان إفريقيا لا يفهمون لغة الأدب والفكر المكتوبين بلغة أوربية، فيتجاهلون الكُتَّاب وأفكارهم. بينما القلة القليلة التي تفهم اللغة الأجنبية المكتوبة، تقيم مع الكتاب صلات رسمية، لا صلات فنية، من خلال المدرسة والمؤسسة والنص. تلك هي بالتحديد أزمة الكاتبة (آما آتا أيدوو). وأزمة أكثر بل كل كُتَّاب إفريقيا، وهي بالتالي أزمة الخصوبة الثقافية وأزمة الثقة بأدب لا يتكلم لغة شعوب القارة، ولا يعكس حياة الناس وطموحاتهم الآنية والمستقبلية. ولعل مردّ هذه الأزمة، إحساس المجتمعات الإفريقية على الرغم من تحررها السياسي والجغرافي، أنها لا تزال ترزح تحت نير الظلم الناتج عن علاقتهم بالغرب، علاقة تمتد بعمق إلى أكثر من خمسمئة سنة مضت في رحم الماضي البعيد، فكيف يستطيع الكاتب أن ينجوَ بنفسه من هذه الدوامة، ويتغلّب على هذا الإحساس المرير الذي يعشّش في خلايا كل فرد إفريقي، وعلى الرغم من أن الكاتبة الغانية مثل غيرها من كتاب إفريقيا، ترزح تحت عبء هذه المشاعر والأحاسيس الكابحة المحبطة.
إلا أنها تتحدى هذه الصعوبات، منطلقة من أنه يجب على الكاتب الإفريقي ألا تكون أعماله مجرد انعكاس لبؤس البلاد وتخلّفها وإحساسها بالدونية فحسب، بل مهمة الكاتب أن يكافح ليخلق من ركام الفوضى والبشاعة أشياء ذات معنى وخصوصية وجمالية، وأن يجعل الحياة من حوله أكثر بهجة. إن الكاتبة الوزيرة الغانية تعترف بأسى أنه حتى اليوم لا توجد معايير نقدية إفريقية خاصة بالأدب الإفريقي، وقائمة على أخلاقيات ومعطيات البيئة، وهي على الرغم من إحساسها بهذا الفقر النقدي، ترفض بإصرار أحكام المتأفريقين الغربيين الذين يصدرون أحكاماً نقدية باهتة محنطة، صادرة عن أبراجهم العاجية التي سجنوا أنفسهم فيها ضمن عواصم الغرب وأمريكا الصاخبة.
في حديث أجرته مجلة (الجنوب) الإنكليزية لغة ومصدراً، والمهتمة بشؤون العالم الثالث، مع الكاتبة (آما آتا آيدوو)، قالت الكاتبة: (إن الكاتب الإفريقي، يعيش حالة مريرة من العزلة، أهمها فقدان الصلة المباشرة مع الناس، ولذا فإنني يراودني السؤال التالي: هل نتوقف عن الكتابة لأننا لا نستخدم اللغات المحكية، بل نكتب باللغات الأوربية؟ ثم تجيب بإصرار: لا.. من منّا لا يملك لغة إفريقية بحكم المولد والنشأة والحياة؟! أنا أعتقد أن الكتابة بأية لغة أفضل من عدم الكتابة على الإطلاق، كما أن على الذين يتقنون لغة إفريقية، أن يكتبوا بها، بذلك نستطيع الإفلات من طوق هذه المحاصرة ولو بعد حين).